فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 203""""""
تنبيه: تقدم في كلامي أنه لا يلزم من البناء وإجراء الخلاف الاستواء في التصحيح وهذا أمر متفق عليه . فإن قيل: الغالب الاستواء . قلنا: لا يلزم الحمل على الغالب إلا مع عدم التضريح بخلافه ، على أنه إن أريد بالغالب أن ذلك هو الأكثر مع كثرة مقابله أيضًا فهذا لا يمنع الحمل على غير الغالب الكثير لما قام من الشواهد لذلك ، وإن أريد أن ما خالف ذلك نادر جدًا فليس كذلك بل هو في غاية الكثرة ، ولولا خشية الإطالة والخروج عن المقصود لأوردت مسائل هنا وقد أفردتها بتأليف مستقل ، ومن أمثلة ذلك ما ذكره الرافعي: لو نسي الماء في رحلة فتيمم وصلى فقولان أظهرهما وهو الجديد وجوب الإعادة قال: ولو أدرج الماء في رحلة وهو لا يشعر به ففيه قولًا النسيان لكن الأصح هنا نفي الإعادة لأنه لا تقصير فيه ، وفي الذهول بعد العلم نوع تقصير ، وهذا الفرع أشبه شيء بالمسألة التي نحن فيها ، فإن الناسي في مسألة الاستقبال لا ينسب إلى تقصير ، بخلاف مسألة المضي فإن الإقدام على الحلف على نفي الشيء بعد وقوعه أو عكسه فيه نوع تقصير ، وما أحسن قول الشيخ تاج الدين السبكي في رفع الحاجب: رب فرع لأصل ذلك الأصل يظهر فيه الحكم أقوى من ظهوره فيه لا نتهاض الدليل عليه ، ولهذا ترى الأصحاب كثيرًا ما يصححون في المبني خلاف ما يصححونه في المبني عله انتهى .
تنبيه: مما يحصل الائتناس به لما قلناه قول الفقهاء: إن المسألة ذات الطريقين إذا كان الأصح فيهما طريقة الخلاف فالغالب أن الأصح فيها ما وافق طريقة القطع ، وهذه المسألة فيها طريقة قاطعة بالحنث كما تقدم أن ابن الصلاح نقل ذلك عن المحاملي ، وحينئذ فالراجح من قولي الطريقة المشهورة ما وافقها ، على أن عندي في إثبات القولين في المسألة نظرًا ، فإن الأذرعي ذكر أن الأصحاب لم يتعرضوا لقسم المضي فالظاهر إجراء القولين فيها من تخريج الرافعي ، ثم رأيت أن أوسع النظر في كتب الشافعي ، والأصحاب في هذه المسألة لأقف على متفرقات كلامهم فيها وأعلم من تعرض لها ممن لم يتعرض لها . فراجعت الأم فوجدت فيها ما يدل على الحنث ونصه في أبواب ما اختلف فيه مالك ، والشافعي ، قال الربيع: قلت للشافعي: ما لغو اليمين ؟ فقال: أما الذي نذهب إليه فما قالت عائشة: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لغو اليمين قول الانسان لا والله وبلى والله ، فقلت للشافعي: ما الحجة فيما قلت ؟ قال: اللغو في لسان العرب الكلام غير المعقود عليه فيه من جماع اللغو يكون الخطأ فخالفتموه وزعمتم أن اللغو حلف الانسان على الشيء يظن أنه كما حلف عليه ثم يوجد على خلافه ، قال الشافعي: فهذا ضد اللغو ، هذا هو الإثبات في اليمين بعقدها على ما يقعد عليه وقول الله: ) ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ( ما عقدتم به عقد اليمين عليه ، ولو احتمل اللسان ما ذهبتم إليه منع من احتماله ما ذهبت إليه عائشة وكانت أولى أن تتبع منكم لأنها أعلم باللسان منكم مع علمها بالفقه هذا نصه بحروفه ، فقوله: هذا ضد اللغو إلى آخره صريح