فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 110""""""
استدلاله فإن الاستدلال إنما يسوغ للمجتهد العالم بطريق الاستدلال أما غيره فما له ، ولذلك قال الغزالي في كتاب التفرقة: [ شرط المقلد ] أن يسكت ويسكت عنه لأنه قاصر عن سلوك طريق الحجاج ، ولو كان أهلًا له كان مستتبعًا لا تابعًا وإمامًا لا مأمومًا . وإن خاض المقلد في المحاجة فذلك منه فضول والمشتغل به ضارب في حديد بارد وطالب لإصلاح فاسد ، وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر ؟ هذه عبارة الغزالي ، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: شرط المفتي أن يكون مجتهدًا ، وأما المقلد إذا أفتى فهو ناقل وحامل فقه ليس بمفت ولا فقيه بل هو كمن ينقل فتوى عن إمام من الأئمة ثم أطال القول في ذلك ، والعجب من هذا المنكر استدلاله بآيات من القرآن وليس هو ممن أتقن علم المعاني والبيان الذي لا تعرف بلاغة القرآن وأساليبه إلا به ، وذلك من شروط الاجتهاد والاستنباط ، بل ولا أتقن واحدًا من العلوم الخمسة عشر التي لا يجوز لأحد أن يتكلم في القرآن حتى يتقنها ، والعجب من تصديه لذكر أدلة ولو أورد عليه أدلة معارضة لما ذكره لم يدر كيف يصنع فيها ، وقد أردت أن أبسط القول في هذه المسألة بذكر أدلة القول الراجح والأجوبة عما عارضها فأقول: للعلماء في هذه المسألة قولان مشهوران حكاهما غير واحد من الإئمة ، أحدهما: أنه يطلق الإسلام على كل دين حق ولا يختص بهذه الملة وبهذا أجاب ابن الصلاح والقول الثاني: أن الإسلام خاص بهذه الملة الشريفة ووصف المسلمين خاص بهذه الأمة المحمدية ولم يوصف به أحد من الأمم السابقة سوى الأنبياء فقط ، فشرفت هذه الأمة بأن وصفت بالوصف الذي كان يوصف به الأنبياء تشريفًا لها وتكريمًا ، وهذا القول هو الراجح نقلًا ودليلًا لما قام عليه من الأدلة الساطعة ، وقد خصت هذه الأمة من بين سائر الأمم بخصائص لم تكن لأحد سواها إلا للأنبياء [ فقط ] من ذلك الوضوء فإنه خصيصة بهذه الأمة ولم يكن أحد من الأمم يتوضأ إلا الأنبياء فقط في أشياء أخر .
أخرج البيهقي في دلائل النبوة عن وهب بن منبه قال: إن الله أوحى إلى داود في الزبور يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد إلى أن قال: أمته أمة مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء ، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء ، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا لي لكل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم ، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم ، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم ، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم .
وأخرج الغرياني في تفسيره عن كعب قال: أعطيت هذه الأمة ثلاث خصال لم يعطها إلا الأنبياء كان النبي يقال له بلغ ولا حرج وأنت شهيد على قومك وادع أجبك ، وقال لهذه الأمة: ) ما جعل عليكم في الدين من حرج ( وقال: ) لتكونوا شهداء على الناس ( وقال: ) ادعوني أستجب لكم ( وأخرج أبو نعيم ، والبيهقي كلاهما