الصفحة 510 من 708

""""""صفحة رقم 133""""""

خاصة ، وقولك: وتحضر صلاة الجمعة إنما حضرت لكتابة الحاضرين على طبقات مجيئهم وذلك من التكليفات الكونية التي هي وظيفة الملائكة لا الشرعية التي بعثت بها الرسل ، هذا آخر الجواب الجدلي . وأما الجواب التحقيقي فاعلم أن العلماء اختلفوا في بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم إلى الملائكة على قولين: أحدهما أنه لم يكن مبعوثًا إليهم وبهذا جزم الحليمي ، والبيهقي كلاهما من أئمة أصحابنا . ومحمود بن حمزة الكرماني في كتابه العجائب والغرائب وهو من أئمة الحنفية . ونقل البرهان النسفي ، والفخر الرازي في تفسيريهما الإجماع عليه ، وجزم به من المتأخرين زين الدين العراقي في نكته على ابن الصلاح . والشيخ جلال الدين المحلى في شرح جمع الجوامع . وتبعتهما في كتابي شرح التقريب في الحديث ، وشرح الكوكب الساطع في الأصول ، والقول الثاني أنه كان مبعوثًا إليهم وهذا القول رجحته في كتاب الخصائص ، وقد رجحه قبلي الشيخ تقي الدين السبكي وزاد أنه صلى الله عليه وسلّم مرسل إلى جميع الأنبياء والأمم السابقة ، وأن قوله: ( بعثت إلى الناس كافة ) شامل لهم من لدن آدم إلى قيام الساعة ، ورجحه أيضًا البارزي وزاد أنه مرسل إلى جميع الحيوانات والجمادات ، واستدل بشهادة الضب له بالرسالة وشهادة الحجر والشجر له وأزيد على ذلك أنه مرسل إلى نفسه .

ذكر الأدلة التي أخذت منها إرساله إلى الملائكة

هي قسمان: ما يدل بطريق العموم ، وما يدل بطريق الخصوص . فالذي يدل بطريق العموم قوله تعالى: ) تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا ( والعالمون شامل للملائكة كما هو شامل للإنس ، والجن وقد أجمع المفسرون على أن قوله تعالى: ) الحمد لله رب العالمين ( شامل لهؤلاء الثلاثة فكذلك هذا ، والأصل بقاء اللفظ على عمومه حتى يدل الدليل على إخراج شيء منه ، ولم يدل هنا دليل على إخراج الملائكة ، ولا سبيل إلى وجوده لا من القرآن ولا من الحديث ، وقد نوزع من ادعى الإجماع في هذه الدعوى فمن أين تخصيصه بالإنس والجن فقط دون الملائكة ؟ . وكذا قوله تعالى: ) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ( فإنه أيضًا شامل للملائكة .

وذكر صاحب الشفا أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لجبريل: ( هل أصابك من هذه الرحمة شيء ؟ قال: نعم كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله عليّ في القرآن بقوله: ) ) ذي قوة عند ذي العرش مكين ( إلا أن هذا الحديث لم يوقف له على إسناد ، وأما ما يدل بالخصوص فقد استنبطت أدلة لم اسبق إليها: الدليل الأول وهو أقواها قوله تعالى: ) وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا سبحانه بل عباد مكرمون ( يعني الملائكة ) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشقفون ( ثم قال: ) ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ( .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت