ويقول أبو الوليد الباجي المالكي المتوفى سنة أربع وتسعين بعد الأربعمائة مبنيًا ما وقع في زمانه من عموم هذه البلوى، ومن فشوها وانتشارها حيث إن العامة صاروا يسألون العلماء عن المسألة فإذا أفتوهم قالوا: ألا يوجد قول آخر؟ أليس في المسألة رخصة؟ فاجترأ هؤلاء العامة على العلماء بسبب أن بعض العلماء فتح لهم هذا الباب، يقول:"وكثيرًا ما يسألني من تقع له مسألة من الأيمان ونحوها -رجل يحلف-: لعل فيها رواية أو لعل فيها رخصة"يعني لعل فيها قولًا آخر عن الإمام أو رواية عنه، أو لعل فيها رخصة، يقول:"وهم يرون أن هذا من الأمور الشائعة الجائزة، ولو كان تكرر عليهم إنكار العلماء لمثل هذا لما طالبوا به"، يقول: لو أن الفقهاء ينكرون عليهم مثل هذه المطالبات لما اجترءوا عليها، ولا طلبوه مني و لا من سواي، وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز ولا يسوغ ولا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذي يعتقد أنه حق، رضي بذلك من رضيه، وسخطه من سخطه، وإنما المفتي مخبر عن الله تعالى في حكمه، فكيف يخبر عنه إلا بما يعتقد أنه حكم به وأوجبه؟!
والله تعالى يقول لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} [ (49) سورة المائدة] فكيف يجوز لهذا المفتي أن يفتي بما يشتهي؟ أو يفتي زيدًا بما لا يفتي به عمرًا لصداقة تكون بينهما أو غير ذلك من الأغراض؟ وإنما يجب على المفتي أن يعلم أن الله أمره أن يحكم بما أنزل الله من الحق، فيجتهد في طلبه، ونهاه أن يخالفه وينحرف عنه، وكيف له بالخلاص؟".. إلى آخر ما ذكر -رحمه الله-."
فهذه بعض أقوال العلماء في التحذير من تتبع الرخص، بقيت القضية الأخيرة، وهي موقف المكلف إذا اختلفت أمامه الأقوال، وتباينت الآراء، ما الذي عليه أن يفعله؟ وأترك ذلك في ليلة قادمة.