ولها أمثلة كثيرة جدًا، ومن ذلك أن أحد الكبراء كان له قصر، وكان هذا القصر يشرف على مستشفى فيه المرضى، ولربما بعض المجانين، فكان هذا الرجل الكبير يتأذى من رؤية المرضى كلما أطل من هذا القصر، وهذه الأرض التي فيها المستشفى كانت موقوفة وقفًا، وكان المذهب في ذلك البلد تجري الفتوى فيه على قول المالكية، فالحاصل أن هذا الرجل الكبير عرض هذه المسألة على طائفة من الفقهاء، فأفتوا بقول الإمام مالك -رحمه الله-، وأن الموقوفات من العقارات والأراضي لا يجوز نقلها بحال من الأحوال، فجاء رجل من الفقهاء وقال: المشارقة يقولون بجواز نقل الأوقاف، أراد أن يتقرب إلى هذا الكبير بفتوى لا يدين الله بها، وإنما أراد أن يتقرب إليه، فجاء بهذا القول، وبهذه الفتيا التي لا يعمل بها في بلده من أجل التقرب إلى هذا الإنسان، وكتب بهذه الفتيا، وخالف جميع الفقهاء في بلده، ثم كان ذلك سببًا لحظوته وتقديمه وأشياء أخرى لا حاجة لذكرها، فعلى كل حال هذا الرجل إنما أفتى بهواه.
فأقول: هذا الإنسان إنما هو متبع للهوى، قد تمرد على الشريعة، ثم أيضًا هو متناقض مع نفسه، الناس الآن الذين يتبعون الرخص إذا جئت في مسائل فيها حيل على الربا قالوا: فلان أفتى بها، وإذا جئت في مسائل المسح على الخفين قالوا: العالم الفلاني الكبير الفقيه الزاهد العابد الورع يفتي بأن الخف المخرق لا حرج بالمسح عليه، لماذا تأخذون بفتياه في مسألة المسح على الخفين ولا تأخذون بفتياه في مسائل أخرى لكم فيها هوى؟ ما الذي حلّل لكم هذا؟ هذا لا يسقط التبعة عند الله -تبارك وتعالى-، فينبغي للإنسان أن يحترز.