والسياسة، والنظر في الممالك، واختيار المنازل، فكلهم اختار المدائن وما جاورها لصحة تربتها، وطيب هوائها، واجتماع مصب دجلة والفرات بها، ويذكر عن الحكماء أنهم كانوا يقولون: إذا أقام الغريب على دجلة من بلاد الموصل، تبين في بدنه قوة، وإذا أقام بين دجلة والفرات بأرض بابل تبين في عقله زيادة، وفي فطنته ذكاء وحدة، وذلك الذي أورث أهل بغداد الاختصاص بحسن الأخلاق والتفرد بجميل الأوصاف، وقل ما اجتمع اثنان متشاكلان في لطف الفطنة وحسن الحيلة وحلاوة القول وسهولة البذل، إلا ووجد البغدادي ألينهما جانبًا، وأجملهما عشرة، وكان حكم المدائن إذ ذاك عامرة آهلة، ولم تزل دار مملكة الأكاسرة. ومحلة كبار الأساورة، ولهم بها آثار عظيمة، وأبنية قديمة، منها: الإيوان الذي لم يُر في معناه أحسن منه، صنعة ولا أعجب عملًا، وقد أحسن وصفه أبا عبادة بن عبيد البحتري، في قصيدة له على روي السين، ويقال: إنه ليس للعرب مدينة مثلها، ووصف أيضًا معه القصر الأبيض، وما كان مصوّرًا فيه من الصور العجيبة والتماثيل البديعة والمصانع الغريبة، فأبدع في وصف ذلك كله، وأحسن بما شاء. وذكر الشعر إلى آخره، فمن أراد فليراجع الكتاب المذكور أولًا. ا هـ.
المَدَخِّن: بالضم وفتح الدال المهملة وكسر الخاء المعجمة، المثقلة ثم نون كأسم فاعل التدخين، جبل بأرض جرود، من أعمال دمشق، من جهة حمص، سمي بذلك، لأنه، وقد ذكره أبو نواس في قصيدته التي ذكر فيها المنازل، لما قصد الخطيب بمصر فقال:
وداقين إشراق كنائس تدمر
وهنَّ إلى رهن المُدَخِّن صوّر
وقد ذكرنا جرود في حرف الجيم.