ومن المعلوم، أن الإنسان مدني بالطبع فهو محتاج إلى التمدن والاجتماع مع أنباء جنسه، ومهما اجتمع الناس في المنازل والبلاد وتعاملوا تولدت بينهم خصومات إذ تحدث رياسة الزوج على الزوجة ورياسة الأبوين على الولد لأنه ضعيف يحتاج على من يقوم عليه. ومهما حصلت الرياسة على عاقل أفضى إلى الخصومة، بخلاف الرياسة على البهائم إذ ليست لها قوة المخاصمة، ولو ظلمت أما المرأة فتنازع الزوج وأما الولد فينازع الأبوين هذا في المنزل وأما أهل البلد فيتعاملون في الحاجات ويتنازعون فيها ولو تركوا كذلك لتقاتلوا وهلكوا وكذلك الرعاة وأرباب الفلاحة يتنازعون على الأرض ثم قد يعجز بعض الناس عن الصناعة بعمى أو مرض أو هرم ولو ترك ضائعًا لهلك ولو وكل تفقده إلى الجميع لفرطوا ولو خص واحد، من غير سبب يخصه لكان لا يذعن له. فحدث من هذه الأمور الحاصلة بالاجتماع علوم منها علم المساحة التي بها تعرف مقادير الأرض لتمكن القسمة بينهم بالعدل ومنها علم الجندية لحراسة البلد بالسيف ومنها صناعة الحكم لفصل الخصومات ومنها علم القانون الذي ينبغي أن يضبط به الخلق ويلزموا الوقوف على حدوده حتى لا يكثر النزاع وهذه، أمور مخصوصة لا يقوم بها إلا مخصوصون بالعلم والتمييز وإذا اشتغلوا بها، لم يتفرغوا لصناعة أخرى، ويحتاجون إلى المعاش ويحتاج أهل البلد إليهم إذ لو اشتغل أهل البلد بالحرب مع الأعداء مثلًا وتعطلت الصناعات ولو اشتغل أهل الحرب والسلاح، بالصناعات وطلب القوت، تعطلت البلاد عن الحراس، وهلكت الناس. فلزم أن يدهم أهل البلد بأموالهم ليحرسوهم فتحدث الحاجة إلى الخراج، ثم يتولد بسبب الحاجة إلى الخراج علوم أخر إذ يحتاج إلى من يوظف الخراج بالعدل على أرباب الأموال وهم العمال وإلى من يستوفي منهم بالرفق وهم الجباة وإلى من يجمع عنده إلى وقت التفرقة الخزان وإلى من يفرق بالعدل وهو الفارض للعساكر وهذه الأعمال لو تولاها أناس كثيرون لا يجمعهم إنسان واحد لا نخرم النظام فحدثت الحاجة إلى ملك يدبرهم بالعلوم السياسية التي تلزم معرفتها كل ملك فيكون الخلق كلهم بالنسبة إلى العلوم المحتاج إليها ثلاثة طوائف الأول الفلاحون والمحترفون والثانية الجند الحماة بالسيوف والثالثة المترددون بين الطائفتين بالأخذ والعطاء.
ثم حدث بسبب البيع والشراء الحاجة إلى التقدير فإن من يريد أن يشتري طعامًا بثوب أين يدري المقدار الذي يساويه من الطعام كم؟ هو فلا بد من حاكم عدل يتوسط بين المتبايعين يعدل أحدهما بالآخر فيطلب ذلك العدل من أعيان الأموال ويحتاج إلى ما يطول بقاؤه وأبقى الأموال المعادن فاتخذت النقود من الذهب والفضة والنحاس، فحدثت الحاجة إلي: دار الضرب، والنقش، والتقدي وعلم المعادن واستخراجها، وتصفيتها فهذه هي علوم الخلق وهي معايشهم، وكلها محمودة.
ثم إن هذه العلوم لا تمكن مباشرتها إلا بالتعلم والتعب في الابتداء وفي الناس من يغفل عن ذلك في الصبا فلا يشتغل به أو يمنعه مانع فيبقى جاهلًا وعاجزًا عن العلوم، التي يتكسب بها، فيحتاج إلى أن يأكل مما سعى فيه غيره، فيحدث لذلك حرفتان خسيستان مذمومتان، وهما: اللصوصية والكدية ثم إن الناس يحرزون أموالهم عن اللصوص والمكدين، فاحتاجوا إلى صرف عقولهم، في استنباط الحيل والتدابير أما اللصوص فمنهم من يطلب أعوانًا وتكون له شوكة فيجتمعون، ويقطعون الطريف كالأعراب والأكراد، ومن فعل فعلهم وأما الضعفاء فيستعملون الحيل: إما بنقب الدور الأسوار أو الصعود عليها، وقت غفلة الناس، أو يكون طرارًا. وأما المكدي فإنه إذ ما طلب سعى فيه غيره، قيل له: اعمل وكل مالك وللبطالة؟ فاحتاج المكدون إلى حيلة في استخراج أموال الناس فمنهم من يظهر العمى والفلج والمرض وهو حال عن ذلك، ليكون ذلك سببا للرحمة عليه ومنهم من يظهر أقوالًا وأفعالًا، يتعجب الناس منها، حتى تنبسط قلوبهم عند مشاهدتها، فيسخون لهم بالمال وذلك يكون بالتمسخر والمحاكاة والأفعال المضحكة وقد يكون بالأشعار الغريبة مع حسن الصوت والشعر الموزون له تأثير في النفس ويدخل في هذا الوعاظ الذين يصعدون المنابر وإذا لم يكن وراء كلامهم علم نافع وليس مرادهم إلا اكتساب الدينار والدراهم.