الصفحة 28 من 34

وأما علوم الأوائل والفلاسفة، فإنها كانت، في صدر الإسلام، مهجورةً إلى دولة بني العباس. وكان أول من اعتنى منهم بالعلوم: أبو جعفر المنصور. وكان مقدمًا في علم الفلسفة والنجوم. ثم لما وصلت الخلافة إلى المأمون بن الرشيد، تمم ما بدأ به جد. واستخرج العلم، من معادنه، بعلو همته. فراسل ملوك الروم، وسألهم كتب الفلاسفة؟؟ فبعثوا إليه من كتب: أفلاطون، وأرسطو، وبقراط، وجالينوس، وأقليدس، وبطليموس... وغيرهم. وأحضر - لهذه الكتب - مهرة المترجمين، فترجموا له، على غاية ما أمكن. ثم ألزم الناس قراءًتها، ورغبهم في تعلمها. إذ المقصود من المنع منها، في صدر الإسلام، هو لأجل ضبط قواعد الشريعة، ورسوخ العقائد الصحيحة. وقد حصل ذلك. مع إن أكثر الفلسفة، والهيئة، والهندسة، لا تعلق لها بالديانات. ولما نقلت علوم الأمم، بالترجمة. وحدثت الملكات. لأهل الملة الإسلامية، نقلوا هذه العلوم إلى علومهم. وبقيت تلك الدفاتر، التي باللغة الأعجمية نسيًا منسيًا. وأصبحت العلوم - كلها - بلغة العرب. واحتاج القائمون بها، إلى معرفة الدلالات اللفظية، والخطية، في لسانهم، دون ما سواه من الألسن، لدروسها، وذهاب العناية بها.

في انقسام الناس بحسب العلوم والمعارف واختلاف المذاهب اعلموا: أن الناس قسمان: قسم اعتنى بالعلوم، فظهرت منهم أنواع المعارف، فهم صفوة الله من خلقه. وقسم لم يعتن بالعوم، عناية يستحق بها اسمه. فالأول، أمم. منهم: الهند، والفرس، واليونان، والروم، والإفرنج، والعرب، والعبرانيون، وأهل مصر، والثاني: بقية الأمم. أما الهند، فإن أهله - وإن كانوا في أول مراتب السواد - فإن الله، جنبهم سوء أخلاق السودان. وفضلهم على كثير من البيض. فهم أهل الآراء الفاضلة، والأحلام الراجحة. ولهم التحقيق، في علم العدد، والهندسة، والطب، والنجوم، والعلم الطبيعي. ومنهم براهمة - فرقة قليلة العدد - مذهبهم: إبطال النبوات، وتحريم ذبح الحيوان. وهذا، من ضعف أمزجتهم وقلوبهم. فإن قوي القلب، بحسب المزاج، يستحسن الإيلام، ولا يستقبحه. وجمهور الهند: صابئة، يعبدون الملائكة والكواكب وهم ينكرون النبوات أيضًا. ولهم في تعظيم الكواكب وأدوارها، آراء ومذاهب. والمشهور في كتبهم، مذهب السند هند أي في دهر الداهر ومذهب الأرجهير، ومذهب الاركند. ولهم في الحساب والأخلاق والموسيقي، تأليفات كثيرة. ومن تصنيف حكماء الهند: كتاب كليلة ودمنة. وما فيه من الحكم، المنظومة بضرب الأمثال، يشهد بكمال عقل واضعه. وترجم من الهندسة إلى الفارسية، أيام أنو شروان، الملك العادل وكان محبًا في العلم وأهله ثم تُرجم، من الفارسية إلى العربية، أيام المنصور العباسي. ترجمه ابن المقفع، العالم المشهور.

ويكفي أهل الهند شرفًا، وضع الشطرنج، الذي سار في الدنيا سير الشمس. وسار الناس، يشهدن بالعقل لمن يحسن اللعب به، فكيف بعقل واضعه ومستنبطه؟! واسم واضعه: صصه بن داهر واسم الملك، الذي وضع لأجله شهرام. وكان أردشير بن بابك، أول ملوك الفرس الأخيرة، وضع النرد وافتخرت الفرس به. فلما وضع صصه بن داهرالشطرنج حكمت حكماء ذلك العصر، بترجيحه على النرد. ولما عرضه على الملك شهرام أعجبه، وفرح به كثيرًا. وقال لصصه اطلب مني ما تريد من الأموال!؟ فقال له: طلبتُ أن تضع حبة قمح، في البيت الأول. ولا تزال تضاعفها، حتى تنتهي، إلى الآخر. فمهما بلغ من القمح، تعطيني. فاستصغر الملك ذلك. وأنكر عليه، لكونه طلب شيئًا حقيرًا، عند الملك!!وكان أضمر له شيئًا كثيرًا. فقال صصه ما أريد إلا هذا؟ فرادَّه فيه، وهو مصمم عليه، فأجابه الملك إلى مطلوبه، فلما قيل لأرباب الأقلام، حسبوه فقالوا: ما عندنا قمح يفي بهذا، ولا بما يقاربه. فلما أُخبر الملك، استنكر هذه المقالة، وأحضر أرباب الديوان، وسألهم؟ فقالوا له: لو جمع كل قمح في الدنيا ما بلغ هذا القدر!!فطالبهم ببيانه، فقعدوا له، وحسبوه، فظهر له صدقُ ذلك. فقال الملك لصصه: أنت في طلبتك، أعجبت حالًا، من وضعك الشطرنج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت