فكذلك في اصطياد العلوم، وطلب إدراك الأشياء، طرق عجيبة، فيها انحرافات عن المطلوب أعجب مما ذكرناه في المرآة، فهذه هي الأسباب المانعة للقلوب، من معرفة الحقائق، وإلا فكل قلب، فهو بالفطرة الإلهية، صالح لإدراك الحقائق، وكما أن الشيء، يكون حاضرًا بين يدي الإنسان، وإذا لم يحرك حدقته، من جانب إلى جانب، تحريكات كثيرة لم ير ذلك الشيء، فكذلك العقل وكما أن العين الباصرة، لا يمكنها إدراك العقل لا يقدر على إدراك الحقائق، دون خطأ، إلا إذا طلعت عليه أنوار التوفيق والهداية من الله تعالى.
اعلموا: أن الإنسان، من حيث حصوله، في الحيز والمكان، فجسم كسائر الأجسام، ومن حيث يتغذى وينسل فنبات، ومن حيث يحس، ويتحرك بالاختيار، فحيوان ومن حيث صورته وقامته، فكالصورة المنقوشة على الحائط. وكما أن الفرس، يشارك الحمار في قوة الحمل ويختص عنه بخاصية الكر والفر وحسن الهيئة، فيكون الفرس مخلوقًا لأجل تلك الخاصية. فإن تعطلت منه، نزل إلى مرتبة الحمار، فكذلك الإنسان، يشارك الجمادات والحيوانات في أمور، ويفارقها في أمور، هي خاصيته، وبها شرفه، فما حصل له الشرف بعظم شخصه، فإن الفيل أعظم منه، ولا بشجاعته، فإن الأسد أشجع منه، ولا لأكله، فإن الجمل أوسع منه بطنًا، ولا لجماعه، فإن أخس العصافير أقوى منه جماعًا، وإنما شرف الإنسان وخاصيته التي يتميز بها عن جميع الموجودات، هي العلم،و بها كماله. إذا كمال كل شيء، إنما يكون بظهور خاصيته التي امتاز بها عن غيره ونقصانه هو خفاء تلك الخاصية، فبقدر ظهور تلك الخاصية. يطلق عليه اسم الكامل، وبحسب سترها فيه، يخص باسم الناقص مثلًا الخاصية، التي امتاز بها الفرس، وهي الحقيقة الفرسية، أن يكون شديد العدو، ومعتدل القوائم في الطول والقصر، مدركًا لإشارة الراكب من: إرادة الكر، والفر، أو الهملجة، أو الحضر أو التقريب، فإذا ظهرت هذه الخاصية: قيل: فرس كامل. ثم الإعزاز والإهانة تابعان للكمال والنقصان. وخاصية الإنسان، هي معرفة حقائق الأشياء، على الوجه الذي هي عليه، بحيث يرتفع عن بصيرته حجاب الشك. ويتيقن حقائقها، مكتشفة له. وبكمال هذه الخاصية ونقصانها، يفضل بعض أفراد الإنسان بعضًا، إلى أن يعد واحد بألف.
ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... إلى المجد، حتى عد ألف بواحد
والناس ألف منهم كواحد ... وواحد كالألف إن أمر عنا
ولا شيء أقبح من الإنسان، مع ما فضله الله به، من القدرة، على تحصيل الكمال بالعلم، أن يهمل نفسه، ويعريها من هذه الفضيلة.
ولم أر في عيوب الناس شيئًا ... كنقص القادرين على الكمال
ولما كان العلم، هو كمال الإنسان، كان كل إنسان، محبًا للعلم بالطبع، ويشتهيه ويفرح إذا نسب إلى العلم، ولو قليلًا، ولو يعلم أن الذي وصفه بالعلم، كاذب. ويحزن إذا دفع عن ربتة العلم، ويلتذ الإنسان بالعلم، لذاته ولكماله، لا لمعنى آخر، وراء الكمال. ولا يخفى على أهل العلم: أنه لا لذة فوق لذته، لأنها لذة روحانية، وهي اللذة الخالصة من جميع الشوائب المكدرات. وأما اللذة الجسمانية، فهي، عند التحقيق، دفع ألم. إذ لذة الأكل دفع ألم الجوع ولذة الجماع، دفع ألم امتلاء أوعية المني به، بخلاف اللذة الروحانية، فإنها ألذ وأشهى ولهذا كان بعض العلماء يقول، عند ما تنحل له مشكلات العلوم: أين الملوك، وأبناء الملوك، من هذه اللذة ومن المعلوم أن اللذات، بالإضافة إلى الإنسان، من حيث اختصاصه بها، ومشاركته لغيره، ثلاثة أنواع، عقلية وجسمانية مشتركة مع بعض الحيوانات، وجسمانية مشتركة مع جميع الحيوانات.