الصفحة 2 من 34

والمتبوعين من الناس، على قسمين: قسم عالم مسعد لنفسه، ومسعد لغيره، وهو الذي عرف الحق بالدليل، لا بالتقليد، ودعا الناس إلى معرفة الحق بالدليل، لا بأن يقلدون. وقسم مهلك لنفسه، ومهلك لغيره، وهو الذي قلد آباءه وأجداده، فيما يعتقدون، ويستحسنون، وترك النظر بعقله، ودعا الناس لتقليده.

والأعمى لا يصلح أن يقود العميان. وإذا كان تقليد الرجال مذمومًا، غير مرضي في الاعتقادات، فتقليد الكتب، أولى وأحرى بالذم، وأن بهيمة تقاد، أفضل من مقلد ينقاد، وإن أقوال العلماء والمتدينين، متضادة، متخالفة في الأكثر، واختيار واحد منها، واتباعه بلا دليل، باطل لأنه ترجيح بلا مرجح، فيكون معارضًا بمثله.

وكل إنسان، من حيث هو إنسان، فهو مستعد لإدراك الحقائق، على ما هي عليه، لأن القلب، الذي هو محل العلم، بالإضافة إلى حقائق الأشياء، كالمرآة بالإضافة إلى صور المتلونات، تظهر فيها كلها على التعاقب. لكن المرآة، قد لا تنكشف فيها الصور، لأسباب، أحدها: نقصان صورتها، كجوهر الحديد، قبل أن يدور ويشكل ويصقل، والثاني لخبثه وصدئه، وإن كان تام الشكل والثالث لكونه غير مقابل للجهة، التي فيها الصورة، كما إذا كانت الصورة وراء المرآة. والرابع لحجاب مرسل بين المرآة والصورة، والخامس للجهل بالجهة التي فيها الصورة المطلوبة حتى يتعذر بسببه أن يحاذي به الصورة وجهتها.

فكذلك القلب، مرآة مستعدة، لأن ينجلي فيها صور المعلومات كلها، وإنما خلت القلوب عن العلوم، التي خلت عنها لهذه الأسباب الخمسة. أولها: نقصان في ذات القلب، كقلب الصبي، فإنه لا تنجلي له المعلومات لنقصانه، والثاني لكدرات الأشغال الدنياوية، والخبث الذي يتراكم على وجه القلب منها، فالإقبال على طلب كشف حقائق الأشياء والإعراض عن الأشياء الشاغلة القاطعة، هو الذي يجلو القلب، ويصفيه، والثالث: أن يكون معدولًا به عن جهة الحقيقة المطلوبة والرابع الحجاب، فإن العقل المتجرد للفكر، في حقيقة من الحقائق، ربما لا تنكشف له، لكونه محجوبًا باعتقاد، سبق إلى القلب، وقت الصبا، طريق التقليد، والقبول بحسن الظن، فإن ذلك يحول بين القلب، والوصول إلى الحق، ويمنع أن ينكشف في القلب، غير ما تلقاه بالتقليد، وهذا حجاب عظيم، حجب أكثر الخلق، عن الوصول إلى الحق لأنهم محجوبون باعتقادات تقليديه، وسخت في نفوسهم، وجمدت عليها قلوبهم والخامس؛ الجهل بالجهة التي يقع فيها العثور على المطلوب.

فإن الطالب لشيء، يمكنه أن يحصله، إلا بالتذكر للعلوم.

التي تناسب مطلوبه حتى إذا تذكرها، ورتبها في نفسه ترتيبًا مخصوصًا، يعرفه العلماء، فعند ذلك، يكون قد صادف جهة المطلوب فتظهر حقيقة المطلوب لقلبه، فإن العلوم المطلوبة، التي ليست فطرية، لا تصاد إلا بشبكة العلوم الحاصلة. بل كل علم لا يحصل إلا عن علمين سابقين، يأتلفان، ويزدوجان، على وجه مخصوص، فيحصل، من ازدواجهما، علم ثالث على مثال حصول النتاج، من ازدواج الفحل والأنثى، ثم كما أن من أراد أن يستنتج فرسًا، لم يمكنه ذلك من حمار وبعير، بل من أصل مخصوص، من الخيل، الذكر والأنثى، وذلك إذا وقع بينهما ازدواج مخصوص، فكذلك كل علم فله أصلان مخصوصان، وبينهما طريق مخصوص في الازدواج، يحصل من ازدواجهما، العلم المطلوب فالجهل بتلك الأصول وبكيفية الازدواج، هو المانع من العلم ومثاله: ما ذكرناه، من الجهل بالجهة، التي الصورة فيها بل مثاله:أن يريد الإنسان أن يرى قفاه مثلا بالمرآة، فإنه إذا رفع المرآة قبالة وجهه، لم يكن حاذى بها جهة القفا، فلا يظهر فيها القفا، وإن رفعها وراء القفا وحاذاه كان قد عدل بالمرآة عن عينيه، فلا يرى المرآة، ولا صورة القفا فيها فيحتاج إلى مرآة أخرى، ينصبها وراء القفا، وهذه المرآة، في مقابلتها، بحيث يراها، ويراعي مناسبة بين وضع المرآتين، حتى تنطبع صورة القفا، في المرآة المحاذية للقفا، ثم تنطبع صورة هذه المرآة، مع ما فيها من صورة القفا، في المرآة الأخرى التي في مقابلة العين، ثم تدرك العين صورة القفا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت