وهذه القوة العقلية، باعتبار إدراكها للكليات، والحكم بينهما بالنسبة السلبية والإيجابية تسمى العقل النظري وباعتبار استنباطها للصناعات الفكرية، مما ينبغي أن يفعل أو يترك تسمى العقل العملي، وقد اعتنى علماء فرنسا ومن حذا حذوهم باستعمال العقل العملي وتصريفه فاستخرجوا الصنائع العجيبة والفوائد الغريبة فاقوا بها المتقدمين وأعجزوا المتأخرين رقوا بها أعلى المراقي وحصل لهم بها الذكر الباقي فلو استعملوا مع هذا العقل النظري في معرفة الله، وصفاته وفي معرفة حكمته في خلق السموات والأرض وما يلزم للإله من الكمال وما يتقدس عنه من النقص وما يمكن في حقه أن يفعله وأن لا يفعله لكانوا حازوا المرتبة، التي لا تدرك والمزية التي لا تشرك ولكنهم أهملوا استعمال هذه القوة النظرية حتى إنهم لا يسمع منهم لها ذاكرا ولا يعثر عليها في كتبهم ناظر حتى لقد حكى عن بعض علماء الوقت الآن أنه قال إن الضوء يمشي من الجسم المضيء إلى ما يقابله من الأجسام كذا وكذا مترًا في كذا وكذا ثانية، أو دقيقة، وتلقى العامة منه هذا القول بالقول فلو استعمل هذا العالم قوته النظرية في حقيقته هذا الضوء لم يحكم بانتقاله لأن الضوء لا يحلو إما أن يكون جسمًا أو عرضًا ولا ثالث لهما. فلو كان الضوء عرضًا يمشي من الجسم المضيء إلى ما يقابله من الأجسام كان لا ينتقل إلا بانتقال الجسم الذي قام به ذلك العرض باتفاق العقلاء إذ حقيقة العرض هو مالا يقوم بنفسه ولو كان الضوء جسمًا كان لا يداخل الأجسام ولو دخل الضوء إلى بيت من طاق فسد إنسان الطاق دفعة واحدة كان يلزم أن تبقى الأجسام المضيئة في البيت على تقدير أن الضوء جسم وهو غير واقع بالمشاهدة وإنما هي حقيقة الضوء عرض يحدث في ظاهر الجسم الكثيف من مقابلة الجسم المضيء له، إذ كان بينهما جسم شفاف وإنما يحدث ذلك الضوء من السبب الذي يحدث منه ضوء الجسم المضيء كالشمس والسراج فالذي يخلق الضوء في الجس المضيء يخلق الضوء في الجسم المقابل له فالضوء عرض يجل في الجسم الكثيف ولا يحل في الهواء كما توهمه قوم بدليل أن القاعدة في غار طويل في الجبل لا يدري بالليل ولا بالنهار خارج الغار والهواء يدخل الغار بلا شك.
العلوم تنقسم إلى ما هو محمود وإلى ما هو مذموم فالعم المحمود ما يرتبط به مصالح الدين والدنيا كالطب والحساب، وكل علم لا يستغني عنه، في قوام أمر الدين والدنيا، كأصول الصنائع من الفلاحة والحياكة، والسياسة، والحجامة بل الحجامة من العلوم اللازمة فلو خلا البلد عن الحجام تسارع الهلاك إلى أهل ذلك البلد فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه فيقبح التعرض للهلاك.