وأيضًا الإدراك الحسي غير منتج لأن من أحس بشيء لا يكون ذلك الإحساس سببا لحصول إحساس أخر بل لو استعمل آله الحس مرة لأحس به مرة أخرى وذلك لا يكون إنتاج إحساس لإحساس آخر. وأما أن الإدراك العقلي، ينتج فلأنا إذا عقلنا أمورًا، ثم ركبناها في عقلنا توسلنا بتركيبها إلى اكتساب علوم أخر وأيضًا الإدراك الحسي، لا يسع الأمور الكثيرة، والعقل يتسع لها. أما أن الحس لا يتسع لها فلأن البصر، إذا توالى عليه ألوان كثيرة التبست عليه،فأدرك لونًا كأنه حاصل من اختلاط هذه الألوان والسمع إذا توالت عليه أصوات كثيرة التبست عليه ولم يحصل التمييز والعقل يتسع لها. ولأن كل من كان تحصيله للعلوم، أكثر، كانت قدرته على كسب الجديد أسهل لأن مهما حصلت معرفة أخرى وازدوجت مع معرفة أخرى حصل من ذلك نتائج آخر وهكذا يتمادى الإنتاج وتتمادى العلوم لكن هذا لمن يقدر على استثمار العلوم ويهتدي إلى طريق التفكير وإنما منع أكثر الناس من زيادة العلوم لفقدهم رأس المال وهي المعارف التي تستثمر العلوم كالذي لا رأس مال معه فإنه لا يقدر على الربح وقد يملك رأس المال ولكن لا يحسن صناعة التجارة فلا يربح شيئًا فكذلك قد يكون مع الإنسان ما هو رأس العلوم ولكن لا يحسن استعمالها وتأليفها وإيقاع الازدواج المفضي إلى النتاج وأيضًا البصر لا يدرك الشيء المرئي مع غاية القرب مع غاية البعد، والعقل عنده القرب والبعد سواء فإنه يدرك ما فوق السموات، وما تحت الأرض، ويدرك ذات الله تعالى مع كونه مقدسًا عن القرب والبعد والجهة وأيضًا الحس قد يقع في إدراكه الغلط كثيرًا فإنه يدرك الصغير كبيرًا كالنار البعيدة في الظلمة وكالعنبة في الماء ترى كالإجاصة وكالنقطة من النار إذا كانت على رأس عود وحركته باستقامة فإنه يرى خطًا ممدودًا، من نار وإذا حركته على دائرة بسرعة يرى دائرة من نار ولا وجود لهما أصلًا ويرى المعدوم موجودًا كالسراب في الصحراء فإنه يري ماء ويرى المتحرك ساكنًا كالظل يراه ساكنًا وهو متحرك ويرى الثلج أبيض ولا بياض فيه أصلًا فإنه مركب من أجزاء شفافة لا لون لها وهي الأجزاء المائية الرشية فلو لا العقل لكان معتقد صحة ما أدركه حسه مخطئًا خطأ فاحشًا ولهذا قال أفلاطون وأرسطو وبطليموس وجالينوس: الحسيات غير يقينية بمعنى أن جزم العقل بالحسيات ليس بمجرد الحس، بل لا بد مع الإحساس من أمور تنضم إلى الحس لا تعمل ما هي وحينئذ يجزم العقل بما جزم به من المحسوسات.