الصفحة 8 من 34

من الظاهر البين عند أصحاب العقول السليمة أن النفس إنما دخلت هذا العالم الجسماني لتكتسب العلم النافع والعمل الصالح وأشرف العلوم النافقة معرفة الله تعالى ومعرفة حكمته في أفعاله وفي خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما وهذه المعرفة لا تدرك بحاسة من الحواس وإنما تدرك بالعقل فكان العقل لهذا أشرف ومدركاته أشرف ولما كان البدن مركبًا للنفس وآلة لتحصيل الأعمال الصالحة خلق الله للإنسان الحواس الظاهرة والباطنة وأكرمه بالعقل الذي هو أشرف من الكل فخلق له حاسة اللمس حتى إذا مسته نار محرقة أو سيف جارح أحس بذلك وهرب وهذا أول حس يخلق للحيوان فلو لم يحس أصلًا لم يكن حيوانًا وأقل درجات الإحساس أن يحس بما يلاصقه ويماسه فإن الإحساس بما يبعد منه، إحساس أتم. وهذا موجود في كل حيوان ولو لم يحلق للإنسان إلا هذا الحس لكان ناقصًا لا يقدر على طلب الغذاء من حيث يبعد عنه بل ما يماس بدنه يحس به فيجتذبه إلى نفسه فقط فافتقر إلى حس يدرك ما بعد عنه فخلق له الشم إلا أنه يدرك به الرائحة ولا يدري من أي جهة جاءت فيحتاج إلى أن يطوف كثيرًا من الجوانب وقد يعثر على الغذاء الذي شم رائحته وقد لا يعثر فيكون ناقصًا لو لم يحلق له إلا ذاك فخلق له البصر ليدرك به ما بعد عنه ويدرك جهته، فيقصد تلك الجهة بعينها إلا أنه لو لم يحلق له إلا هذا لكان ناقصًا إذ لا يدرك ما وراء الجدران والحجب فحلق له السمع حتى يدرك به الأصوات من وراء الجدران والحجب عند جريان الحركات.

لأنه لا يبصر الأشياء حاضرًا وكل هذا ما كان نافعًا له لو لم يكن له حس الذوق إذا يصل الغذاء إليه فلا يدرك أنه موافق له، أو محالف فيأكله فيهلك كالشجرة تصيب في أصلها كل مائع ولا ذوق لها فتجذبه وربما يكون ذلك سبب هلاكها ويبسها وكل هذا لا يكفيه لو لم يحلف في مقدمة دماغه إدراك آخر يسمى حسًا مشتركًا تتأذى إليه هذه المحسوسات وتجتمع فيه فإنه إذا أكل شيئًا أصفر مثلًاُ فوجده مرًا غير موافق له فتركه فإذا رآه مرة أخرى لا يعرف أنه مضر مر ما لم يذقه ثانيًا لولا الحس المشترك لأن العين تبصر الصفرة ولا تدرك المرارة والذوق يدرك المرارة ولا يدرك الصفرة فلا بد من حاكم تجتمع عنده الصفرة والمرارة جميعًا حتى إذا رأى الصفرة حكم بأنه مر فيمتنع عن تناوله ثانيًا وهذا كله تشاركه فيه الحيوانات إذ للشاة هذه الحواس فلو لم يكن له إلا هذا لكان ناقصًا لأن هذه الحواس إنما هي للحاضر فأما الغائب وإدراك العواقب فلا ولما كان المقصود الأعظم من خلق الإنسان هو معرفة خالقه وعبادته والعبادة لا تكون لمن لا يعرف أكرم الله الإنسان وميزه بصفة أخرى أشرف من الكل وهي العقل فبه يفرق الإنسان خالقه ويدرك المنافع والمضار في الحال والمآل إذ أنفع الحواس وأبعدها مدركًا العين الباصرة والعقل أشرف منها لأن البصر لا يدرك نفسه ولا يدرك إدراكه ولا يدرك آلته أما أنه لا يدرك نفسه ولا إدراكه فلأن القوة الباصرة وإدراكها ليسا من الأمور المبصرة بالعين الباصرة وأما أنه لا يدرك آلته فلأنها هي العين والقوة الباصرة في العين لا تدرك العين وأما العقل فإنه يدرك نفسه ويدرك إدراكه ويدرك آلته في الإدراك وهي القلب والدماغ وأيضًا البصر لا يدرك الكليات والعقل يدركها ومدرك الكليات أشرف من مدرك الجزئيات أما أن البصر لا يدرك الكليات فلأن التبصر لو أدرك كل ما في الوجود ما فهو أدرك الكل لأن الكل عبارة عن كل ما يمكن دخوله في الوجود في الماضي والحال والاستقبال وأما أن العقل يدرك الكليات فلأنا نعرف أن الأشخاص الإنسانية مشتركة في الإنسانية ومتمايزة بخصوصياتها وما به المشاركة غير ما به الممايزة فالإنسانية من حيث هي إنسانية مغايرة لهذا المشخصات وأما أن إدراك الكليات أشرف فلأن إدراك الكليات ممتنع التغير وإدراك الجزئيات واجب التغير ولأن إدراك الكلي يتضمن إدراك الجزئيات، الوقعة تحته لأن ما ثبت للماهية يثبت لجميع أفرادها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت