الصفحة 29 من 34

ومن تأمل الشطرنج، وتأمل حركات قطعه، وتفكره في صورة وضعه، وجده قد كشف، عن سر من سر القضاء والقدر، بسهولة. وذلك: أن الواضع له، حكيم فيما رتبه وقرره. ألهمه - تعالى - ما قضاه في أزله، وسبق به علمه، وجرى بوضعه قدره!! ولذلك، لم يشاركه، في اختراعه له، مشارك. وجعل أمر كل لاعب به، من الناس، راجعًا إليه، وعائدًا عليه إن غلبَ، فباجتهاده. وإن غُلب، فبتفريطه. وإن اللاعِبَيْن - كليهما - مع تفويض الأمر إليهما، في الجد والاجتهاد والفكر والتدبير والاكتساب والتحيل، لا يخرجان في جميع ذلك، عما قضاه الواضع، وقدره، وشرعه لهما. فهما مجبوران، في صورة مختارين. ومختاران، في صورة مجبورين. اطلع هذا الواضع، على سر عزيزٍ، من أسرار قدر الله - تعالى - وعلم أن الإنسان كاسب غانم، أو معاقب. وأن الله لا يظلم مثقال ذرة"ولكن الناس أنفسهم يظلمون"، وأن الله أراد من العباد، ما هم فاعلون له، ولم يجبرهم. ولو عصمهم، ما خالفوه كما أراد الواضع، من اللاعبين، ما هم لاعبون، ولم يجبرهم فمن أحسن، فلنفسه."ومن أساء فعليها"، ولم يخرج واحد منهما عما قدره من البيوت، والقطع، وعددها، ونقلها. ولو أراد منهما غير ذلك، ما خالفاه. فافهم هذا جيدًا. فالشطرنج، مثال حكمي، ووضع علمي، يجلب به حسن الرأي، ويزداد به العقل، ويلهى به عن الهم، ويكشف عن مستور الأخلاق، ويحكي صورة الحرب، ويبين مقدار حلاوة الظفر بالخصم، والنصر على العدو، ومقدار مرارة القهر والخذْلان.

والشطرنج الكبير، فيه من الزوائد: جملان، وزرافتان، وطليعتان، ودبابتان، ووزير.

وأما الفرس، فإنهم أمة قديمة، من أقدم أمم العالم، وأشدهم قوةً. واسم أبيهم بالعربية، فارس. وباليونانية، يرشور. وبالفارسية، يرشيرش. وكانت لهم دولتان عظيمتان طويلتان. الأولى منهما، الكييه وإنما قيل لهم كييه لأنهم كانوا يسمون الملك منهم كي فلان ومعناه التنزيه. أي مخلص، متصل بالروحانية. ويظهر من التواريخ، أن مبدأها، ومبدأ دولة التبابعة ملوك العرب من حمير، واحد. وهذه الدولة الكييه، التي غلب عليها الإسكندر اليوناني. والثانية، الساسانية. وهي المعاصرة لدولة الروم بالشام. وهذه الثانية، هي التي غلب عليها المسلمون.

وكان الفرس، في أول أمرهم موحدين، على دين نوح، إلى زمن طهمورث. وهو أول من ذلل الخيل، وركبها. فاعتقد دين الصابئين، وقهر الفرس على اتباعه. وبقوا على هذا الدين، نحو ألف سنة. إلى أن تمجسوا، بسبب زرادشت. وكان ظهوره، أيام يستاسف أحد ملوكهم. فجاء إلى يستاسف وعرض عليه دينه، فأعجبه، وحمل الناس على الدخول فيه. وقتل من امتنع. وجاء زرادشت، بكتاب، ادعاه وحيًا. كتبه في اثني عشر ألف جلد!! وسمي ذلك الكتاب سناه ويدور على سنين حرفًا، من حروف المعجم. وفسره زرادشت. وسمي تفسيره زند ثم فسر التفسير، وسماه زند وهذه اللفظة، هي التي عربتها العرب، فقالت: زنديق. وكان زرادشت، يقول بإلهين اثنين: يزدان، وأهرمن أي النور والظلمة ويعبد النار. وكان هذا الكتاب، ثلاثة أقسام: قسم في أخبار الأمم الماضية، وقسم في حدثان المستقبل، وقسم في نواميسهم وشرائعهم. وجدد زرادشت بيوت النيران، وكان أخمدها منوشهر، أحد ملوكهم. ورتب لهم عيدين: النيروزَ في الاعتدال الربيعي، والمهرجان في الاعتدال الخريفي، ولما غلب الإسكندر الفرس الأولى، أحرق هذه الكتب.

وبقوا على ذلك، إلى أيام سابور بن أردشير، فظهر ماني الحكيم، بعد المسيح. وكان ماني يقول: موجد العالم، اثنان: النور، خالق الخير. والظلمة، خالق الشر، واتبعه سابور قليلًا، ثم رجع إلى المجوسية، دين آبائه.

وفي أيام قباذ، من ملوك الفرس، ظهر مزدك وكان يقول: باستباحة أموال الناس، وأنها مشتركة بينهم، وليس لواحد ملك شيء، ولا تحجيره، عن غيره. والأشياء - كلها - من ملك الله، لا يختص أحد بشيء.

وفي أيام أبرويز منهم، وصلت جنود الفرس إلى بيت المقدس، وأخذوا أسقفها، ومن معه، وطالبوهم بخشبة الصليب، فاستخرجوها من الدفن، وبعثوا بها إلى أبرويز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت