الصفحة 17 من 34

والنبي، يدعو الناس، إلى عبادة الله ولا ضرر عليه، لو خالفه الناس أجمعون، ومثال الرسول، مع الذين ما صدقوه، ولا أجالوا خواطرهم، بالنظر إلى صحة قوله، مثال رجلٍ يقول لآخر: إن وراءك سبعًا ضاربًا. فإن لم تهرب، قتلك وإن التفت وراءك ونظرت، عرفت صدقي فيقول الواقف: أنه لا يثبت صدقك عندي، إلا إذا نظرت والتفت ورائي، ولا ألتفت ورائي إلا إذا ثبت صدقك، وهذا كلام يدل على حماقة هذا القائل، وتعرضه للمهالك ولا ضرر فيه على هذا المخبر فكذلك الرسول يقول: ورائكم الموت، ووراء الموت السباع الضارية، والنيران المحرقة فإن لم تحذروا منها، وتعرفوا صدقي، بالنظر في أحوالي، ومعجزاتي، هلكتم، فمن التفت ونظر، عرف ونجا، ومن لم يلتفت، ولم ينظر، هلك. ولا ضرر علي، ولو هلك الناس أجمعون، فالرسول يعرف بوجود السباع الضارية، بعد الموت. والعقل يفهم كلامه، ويحكم بإمكان وقوع ما يقوله في المستقبل. والطبع، من شأنه الحذر من الضرر.

وأساس الديانة، وأصولها، لا خلاف فيها، بين الأنبياء من آدم، إلى محمد، فكلهم، يدعون الخلق إلى توحيد الإله، وتعظيمه واعتقاد أن كل شيء، ولا علة لوجوده، هو - سبحانه وتعالى - وإلى حفظ النفس والعقل، والنسل والمال، فهذه الكليات الخمس، لا خلاف فيها، بين الأنبياء، وجميع الشرائع متفقة عليها. وحاصلها يرجع إلى تعظيم الإله، والشفقة على مخلوقاته.

وطريان النسخ على هذه الكليات الخمس: محال. وإنما النسخ، يمكن في الشرائع الوضعية وهي الأشياء، التي يجوز ويصح أن لا تكون مشروعة، دون الأحكام العقلية، كتوحيد الإله، وما ذكرنا معه من الكليات فإن العقول والشرائع، متوافقة على لزوم حفظها، والخلاف بين الأنبياء في كيفية حفظها، ووضع القوانين، لدوام بقائها محفوظة.

وفائدة النسخ وحكمته، إما على تقدير، كون الأحكام الشرعية، معللة بمصالح العباد، واللطف بهم، فيكمن أن تختلف مصالح الأوقات، فتختلف الأحكام بحسبها. كمعالجة الطبيب، فإنه قد يأمر بشرب دواء خاص، في وقت، دون وقت فربما كانت المصلحة، في وقت آخر، ارتفاعه، لاشتماله على شيء، تلزم رعايته، وفي وقت آخر، ارتفاعه، لاشتمال رفعه، على مصلحة أخرى، حادثة بعد زوال الأولى، وما على تقدير، أن الأحكام الشرعية، مستندة إلى محض إرادة الله، من غير مراعاة مصلحة، فالأمر هين، لأنه - تعالى - هو الحاكم المطلق، الفعال لما يريد. فيجب أن يضع حكمًا، ويرفع حكمًا، لا لعلة وغرض، فكما لا تنافي، بين الأمر المقتضي لوجود الحادث، في ورقت وبين الأمر، المقتضى لفنائه، في وقت آخر، كذلك ليس بين تحليل الشيء، في زمان، وتحريمه في زمان آخر، تناف أصلًا.

وكان أن مدة بقاء كل حادث، وزمان فنائه، معين في علم الله - تعالى - وإن كان مجهولًا لنا، كذلك مدة بقاء كل حكم، وزمن تغيره، كان معينًا في علم الله وإن كان مجهولًا لأهل الأديان السابقة فالتحالف بين شرائع الأنبياء، في جزئيات الأحكام سبب تفاوت الأعصار، في المصالح، من حيث أن كل واحد من الأحكام، حق، بالإضافة إلى أهل زمانه، مراعى فيه، مصالح من خوطب به فالنسخ، إنما هو للأحكام لا لنبوة النبي، المنسوخة شريعته، فإن النبوة، صفة لا تزول عمن اتصف بها واليهود، منعوا النسخ، فأنكروا الإنجيل، وذلك أن الإنجيل النازل على المسيح، وإن لم يكن في أحكام من الحلال والحرام، إنما هو رموز وأمثال ومواعظ والأحكام فيه محالة على التوراة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت