ولما دخل العرب إفريقية. وقتلوا الملك جرجير، صار التغلب للبربر على الفرنج. واجتمع البربر والفرنج، على قتال العرب. وما زالت الحرب سجالًا بينهم، إلى سنة أربع وثمانين، فانهزم البربر والفرنج، هزيمةً، لم يقع لهم جمع بعدها. فمن كان من الفرنج، قريبًا من البحر، ركب إلى الأندلس، وإلى صقلية، وإلى سردانية، من الفرنج. الذي كانا بإفريقية، ومن كان بعيدًا من البحر، اختلط مع البربر، وصاروا جملة واحدة وفي جبل أوراس، كثيرًا من الفرنج. ومن تأمل الآن، سكان جبل أوراس، فرق بين البربر والفرنج. ثم اشتغل العرب، بحرب الفرنج، في الأندلس والجزائر، أيام عبد الرحمن الداخل الأموي، وبنيه بالأندلس، وعبد الله الشيعي، وبنيه بإفريقية، وملكوا عليهم جزائر البحر الرومي، إلى أن فشلوا، وركدت ريح الدولتين، وضعف ملك العرب، فاسترجعوا ما أخذه العرب. ثم استفحل ملك فرانسا، بعد القياصرة الأولى. وكثرت عندهم العلوم الفلسفية، والمعارف، وتنافسوا في اكتساب الفضائل السياسية، فلم يبق لليونان والروم ذكر، في هذا الزمان. لا سيما في عقد الستين، بعد المائتين والألف. فقد جمعوا علوم جميع الأمم، من العرب والعجم. وتمم الله عليهم النعمة، بسلطنة الملك الشهير العادل، أعلى الملوك الإفرنجية همة، وأبعدهم صيتًا وأنداهم يدًا، وأطولهم سيفًا، نابليون الثالث. فإنه جمع كلمتهم بعد الشتات، وأحياهم، بعد أن كادوا يصيرون، من جملة الأموات. ووصل حبلهم بعد البتات وأنامهم في مهد الأمان، بعد أن كانوا لا يأمنون في بيوتهم، من العدوان وأشاد لهم ذكرًا، وإن لم يكونوا خاملين، إذ بعض الذكر، أنبه من البعض، عند العاقلين. وربحوا في يومه، ما لم يربحوه في سنة غيره، من الملوك. فله بذلك، منة عظمة عليهم. ولكن لا يشكر النعمة من الناس، إلا الأكياس.
وأما العرب، فهم من ولد سام بن نوح، وهم الأمة الرحّالة، الخيامُ، لسكناهم والخيل لركوبهم. والأنعام، لكسبهم. يقومون عليها، ويقتاتون بألبانها، ويتخذون اللباس والأثاث، من أوبارها وأشعارها. ويحملون أثقالهم على ظهورها، ويبتغون الرزق - في غالب أحوالهم - من الصيد، وقطع الطرق، والغارات على من جاورهم من الأمم. ومساكنهم، ما بين المحيط، من المغرب، إلى أقصى اليمن والهند، من المشرق. وما بين ذلك. كمصر، وصحارى برقة، وإفريقية، والزاب، والمغرب الأقصى، والسوس. فما انتقلوا، إلا في المائة الخامسة وكانت لهم دولة عظيمة، وآثارًا كريمة. وصل ملكهم إلىطنجة، من المغرب. وإلى سمرقد، من المشرق، في الجاهلية. وكانوا في الجاهلية، أصنافًا: صنفٌ اعترف بالخالق، وأنكر البعث. وصنف عبدوا الأصنام. وصنف عبدوا الملائكة. وكان منهم من يميل إلى اليهودية ومنهم من يميل إلى النصرانية ومنهم من يميل إلى الصابئة وكانت بقيت عندهم، بقايا من دين إسماعيل ابن إبراهيم الخليل. فكانوا لا ينكحون الأمهات، ولا البنات، ولا الأخوات، ولا يجمعون بين الأختين. وكانوا يحجون البيت، ويغتسلون من الجنابة، ويداومون على المضمضة، والاستنشاق، والسواك، والاستنجاء، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان. ويقطعون يد السارق، ويعطون دية المقتول، مائةً من الإبل. ويطلقون، وتعتد المرأة، التي مات زوجها، سنة. وكانت علومهم علم الأنساب، والنجوم، وتعبير الرؤيا ونظم الأشعار، والخطب. وليس يصل إلى أحد، من أهل المشرق والمغرب، خبر إلا بالعرب. وذلك، أن من سكنوا مكة، أحاطوا بأخبار أهل الكتابين: التوراة والإنجيل. ومن سكن الحيرة، علم أخبار فارس ومن سكن الشام، عرف أخبار الروم واليونان وبني إسرائيل. ومن سكن البحرين، علم أخبار الهند والسند. وكانوا يفتخرون بالبيان في الكلام. والفصاحة في المنطق، والوفاء بالعهد، وإكرام الضيوف، وعلو الهمة. روي عن شبيب بن شبة، قال: كنا في مجلس عظيم، فورد علينا ابن المقفع - وكان من أشراف الفرس وحكمائهم - فقال لنا: من أعقل الأمم؟! فنظر بعضنا إلى بعض، وقلنا: لعله يميل إلى أصله. فقلنا: الفرس. قال: ليس هناك. ملكوا كثيرًا من الأرض، وحووا عظيمًا من الملك، فما استنبطوا بعقولهم شيئًا. فقلنا: الروم. فقال: أصحاب صنعة. فقلنا الصين. فقال: أصحاب طرفة. فقلنا: الهند. فقال أصحاب فلسفة. فقلنا: السودان. فقال: أشر خلق الله.