الصفحة 6 من 34

وهذه المعاني الأربعة كلها، من خواص الإنسان ولفظ العقل موضوع في الحقيقة. لتلك الغريزة، وإطلاقه على العلوم مجاز، من حيث أنها ثمرتها، وهذه العلوم كأنها متضمنة في تلك الغريزة بالخلقة، ولا تظهر إلى الوجود، إلا إذا جرى سبب يخرجها حتى كأن هذه العلوم ليست بشيء وارد عليها من خارج، وكأنها كانت مستكنة فيها، فظهرت، ومثاله: الماء في الأرض فإنه يظهر بالحفر، ويجتمع، ويتميز بالحس، لا بأن يساق إليه شيء جديد، وكذلك، الدهن في اللوز، وماء الورد في الورد فكل أدمي، خلق مجبولًا على معرفة الأشياء على ما هي عليه أعني: أنها كالمتضمنة فيه، لقرب استعداده للإدراك.

ثم لما كانت معرفة الأشياء مركوزة في النفوس بالخلقة انقسم الناس إلى: من أعرض نفسي وهم الجهال وإلى من أجال خاطره فتذكر وهم العلماء، فكان هذا القسم، كمن حمل شهادة، فنسيها بسبب الغفلة، ثم تذكرها، وحصول هذه العلوم للإنسان لها درجتان.

إحداهما: أن يشتمل قلبه على العلوم الضرورية الظاهرة، فتكون العلوم النظرية فيه، غير حاصلة، إلا أنها صارت قريبة الحصول، ويكون حاله بال: من أعرض نفسي وهم الجهال وإلى من أجال خاطره فتذكر وهم العلماء، فكان هذا القسم، كمن حمل شهادة، فنسيها بسبب الغفلة، ثم تذكرها، وحصول هذه العلوم للإنسان لها درجتان.

إحداهما: أن يشتمل قلبه على العلوم الضرورية الظاهرة، فتكون العلوم النظرية فيه، غير حاصلة، إلا أنها صارت قريبة الحصول، ويكون حاله بالإضافة إلى العلوم، كحال الكاتب، الذي لا يعرف من الكتابة إلا الدواة والقلم والحروف المفردة، دون المركبة فإنه قد قارب الكتابة ولم يبلغها.

الثانية: أن تحصل له العلوم المكتسبة، بالتجارب والفكر فتكون كالمخزونة عنده فإذا شاء رجع إليها، وحاله حال الحاذق بالكتابة، إذ يقال له: كاتب وأن لم يكن مباشر للكتابة لقدرته عليها، وفي هذه الدرجة، مراتب لا تحصى يتفاوت العلماء فيها، بقلة المعلومات وكثرتها، وشرف المعلومات وخستها.

واعلموا: أن العقول: متفاوتة بحسب خلقة الله تعالى، التي خلق الناس عليها، فعقول الأنبياء ليست كعقول سائر الناس. وعقل أبي علي بن سينا، فائق على كثير من العقول. يحكى، أن الرازي قال يومًا للآمدي: لم حسن إهلاك الحيوانات وذبحها للإنسان فقال له الآمدي: إهلاك المفضول لمصلحة الفاضل هو عين العدل فقال له الرازي إذًا، يحسن ذبحك أنت لأبي علي بن سينا.

والتفاوت. حاصل في الأقسام التي يطلق عليها أسم العقل، إلا العلم بالضروريات فإنه لا يحصل فيه تفاوت بين العقلاء وكل من يدركه يدرك إدراكًا محققًا، من غير شك.

وأما قسم علم التجارب. فتفاوت الناس فيه. لا ينكر فإنهم متفاوقون: بكثرة إصابة الرأي، وسرعة الإدراك ويكون سببه: إما تفاوتًا في الغريزة وإما تفاوتا في ممارسة الأمور.

وأما قسم استيلاء القوة العقلية على قمع الشهوات، فلا يحفى تفاوت الناس فيه ويكون سببه، التفاوت في العلم المعروف بضرر تلك الشهوة ولهذا يقرر الطبيب على الاحتماء عن بعض الأطعمة المضرة وقد لا يقدر على ذلك من يساويه في العقل إذا لم يكن طبيبًا وإن كان يعتقد فيه مضرة على الجملة ولكن لما كان علم الطبيب أتم كان خوفه أشد فيكون الخوف معينًا للعقل على قمع الشهوات المضرة.

وأما قمم الغريزة التي قلنا أنه الأصل فالتفاوت فيه لا طريف إلى جحده فإنه مثل نور يشرق على الإنسان ويطلع صبحه ومبادئ إشراقه عند سن التمييز وهو تمام الأسبوع الأول أعني سبع سنين ثم لا يزال ينمو ويزداد على التدريج إلى أن يتكامل يقرب الأربعين سنة ومثاله: نور الصبح فإن أوائله تخفى حفاء بشق إدراكه ثم يتدرج إلى الزيادة، إلى أن يكمل بطلوع قرص الشمس، وعادة الله جارية في جميع مخلوقاته، بالتدريج وكيف ينكر تفاوت الناس في الغريزة ولولا تفاوتها لما اختلف الناس في فهم العلوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت