فهرس الكتاب
أي حماس لمساعدتي.. صدقني أنى أبكى وأنا أكلمك خشية أن يكون الله لا يريدني.. ولكني أعلم أن اليأس من رحمة الله تُدْخل الإنسان دائرة الكفر.. لكم مني جزيل الشكر. ... السؤال
الأستاذ فتحي عبد الستار ... المستشار
... ... الرد ...
... الأخت الكريمة، جزاكِ الله خيرًا على ثقتك بنا، وفتحك لقلبك معنا، ونسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا متنفسًا لكل مهموم، وأن يعيننا على مسح دمعة كل حزين، لنرسم بدلًا منها ابتسامة الرضى والطمأنينة والإيمان. أختي الكريمة، بالرغم أنكِ ذكرتِ هذه الكلمات في آخر رسالتك، إلا أني أجد نفسي مدفوعًا للبدء بها في حواري معك، نظرًا لما أحدثَتْه تلك الكلمات من شعور بالألم في داخلي، ألا وهو قولك:"صدقني أني أبكي وأنا أكلمك، خشية أن يكون الله لا يريدني".
يا أمَّ التوأم، إني أصَدقكِ، وأُطَمْئن فؤادكِ بأن كل ما تحدثت عنه في رسالتك من الحرف الأول للحرف الأخير هي كلها ظواهر عادية، وسُنَنٌ طبيعية، وكأس لا بد أن يشربَ منه كل تائب، وكل سالك لطريق الالتزام، في القديم والحديث، وكأنها"دورة تدريبية"يخوضها التائب، فيغتسل خلالها بدموعه -ولا غير- ليزيل رواسب المعصية وعلائق الغفلة، ويشعر أثناءها ألا مكان له في هذه الدنيا، ويتمنى لو أنه لم يولَد، ولكن ما إن تُدْركه رحمات الله، تهدأ نفسه، وتقرّ عينه، وينعم بلذة القُرْب، ويلحقه بَرَد الطمأنينة بعد أن أحرقته نار الندم. وحتى يصل إلى هذا فإنه يحتاج إلى مجاهَدَة، بل إلى مجاهَدَات، وإلى التمسُّك بالأمل والرجاء في رحمة الله عز وجل، وعدم القنوط، وقد جاء في الأثر أن من أدمن قَرْع الباب، يوشَكُ أن يُفتَحَ له، فلا تملِّي من قرع أبواب ربك، والزمي عتبته، ولوذي بجنابه، وعليك بالقرآن فإنه شفاء لما في الصدور.
ولتتذكري معاناة الصحابة الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك، ولما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من الغزو سارع إليه المخلَّفون ليعتذروا إليه، أما هم فآثروا ألا يكذبوا، فلم يقدموا عذرًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم - بوحي من الله عز وجل - تربيتهم وتمحيصهم، فقاطعهم، وأمَرَ المسلمين جميعًا بمقاطعتهم، فعاشوا خمسين يومًا تحرقهم نار الندم، وأشد منها نار جفاء الأحباب وأقرب الناس، وما أشدَّها من نار، وتعرَّضوا خلال هذه الفترة إلى العديد من الفتن والإغراءات لصدهم عن طريق الاستقامة، وجذبهم إلى طريق الغواية، ولكنهم صمدوا أمام تلك الفتن والإغراءات كلها، وكلهم أملٌ في الله عز وجل أن يزيح تلك الغُمَّة ويقبل توبتهم ويفتح أحضان أحبابهم لهم، حتى تاب الله عز وجل عليهم، ونزلت البشرى من فوق سبع سماوات: لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ