فهرس الكتاب
ثم إن الناس في هذا المقام"ثلاثة أقسام": قسم وهو الأقل جدًا قد يكونون يدعون بالأصابع يرون أنها واحدة، ووجهه كما عرفت من كون ذلك هو الأمر في حياة النبي وفي خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر، وهذا اختيار الشيخ وابن القيم في أصل المسألة. هذه"طائفة".
"الطائفة الثانية": ترى أنه ثلاث، وأنه سنة محضة.
"القول الثالث": أن ذلك ليس بأصل السنة وإنما هو من باب التعزير، وعمر لم يقل إنه سنة؛ بل قال: فلو أ مضيناه عليهم، وهذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة بين ما فعله الرسول وبين ما فعله عمر، فما فعله عمر هو من باب العقوبة، وسد باب التمادي في الطلاق البدعي المحرم، مثل ما رأى أن يزاد في حد الشرب لما كثر الانهماك فيه و التمادي ولم تزجرهم الأربعون، وشاور من شاور فجعله ثمانين، وهو الخليفة الراشد، ليس على خطأ وزلل، وهذا هو الذي عليه الفتوى، وهو الراجح في الدليل، وهو الذي عند الأئمة الأربعة وأهل العلم جميعًا أنه يقع ويحال بين المرأة وبين زوجها، إلا أفرادًا إذا عدوا في جميع الطبقات ما يملؤون الأصابع وليسوا من المشاهير، وإمام الدعوة قدس الله روحه يقول: لا أعلم أني أفتيت بقول شيخ الإسلام إلا مرة واحدة، وإنما جميع فتواه بقول عمر، ومن المعلوم أنه من أئمة الهدى، وإيثاره السنة، وهو ممن يعظم الشيخين.
ثم نعرف أن في زماننا هذا التحليل قليل بمرة وقد كان في أزمان أدركنا بعضها يوجد وهو قليل في السنة والسنتين مرة، أما في أزماننا القريبة فيما سمعنا به منذ عشرات السنين، فيكون البقاء عليه مرجح لقول الجمهور.
وأيضًا الآن يفترون فيقولون طلقت ثلاثًا وإن كان قد تخللها رجعة، فينبغي أن يعمل ويفتى بقول الجمهور أنها لا تجوز له إذا قال: هي طالق ثلاثًا، وإذا قيل: هي واحدة صارت ذلولًا للعاصين.
ثم أيضًا يفتح ذلك باب الفوضى ويقع في قلوب العوام عدم حكمة الشريعة، بل ربما يظنون أن الفتوى لأجل الشهوات من يحبون يفتون له ومن لا فلا، وتحرج طالب العلم من القول بالثلاث وترك ذلك لمن ينشط على الفتوى بقول الجماهير هو الورع إذا لم ينشط على المنع.
ثم مشهور في ذلك كلام الشيخين، وقد أكثرا في ذلك وبسطا، ولكن تعرف أن زمن شيخ الإسلام ليس مثل زمن النبي الذي الناس لم يتمادوا فيه، ولا في زمان عمر الذي لما أدبهم انكفوا، بل كان في زمان شيخ الإسلام مفسدة أخرى وهي التحليل المحرم فشا فيه، فرأى أن لا يقع خشية الوقوع في التحليل، يقول كوننا نقول يراجعها خير من كوننا نقول يقع ثم يرجعون إلى التحليل الذي حلله بعض أهل المذاهب وهو أردأ الأقوال، فالشيخ وابن القيم يقولان إذا صار أنه من باب العقوبة فهنا محذور قد ترتب على هذا وهو التمادي في التحليل المحرم، ومن أسباب إكثار الشيخ في المسألة أنه قصد تبرئة نفسه من أنه مخالف للحق والصواب، وهو وتلميذه لم يقوما مقام إنكار على من أمضى الثلاث، إنما هو مقام ذب لمن جهل الحكم الشرعي وردًا لمسألة التحليل، وإلا فهما ما بدعا ولا ضللا من قال ذلك، لا سيما وأميرهم عمر، ولا قال: إنهم مجتهدون مخطئون.