فهرس الكتاب
كان من الأوفق أن تَنْحَلَّ، ويسعى أصحابها للبحث عن شُرَكاء آخرين صالحين لإنتاج الخير. وجاء الإسلام، وهو خاتمة الرسالات، فأبقى على هذا المبدأ ونظَّمه.
ومن وُجوه الحِكْمة في تقرير مبدأ الطلاق:
1ـ قد تكون الزوجة عقيمًا والرجل يريد نسلًا، وطلب النسل مشروع وهو الهدف الأول من الزواج، ولا تَرْضَى الزوجة بأن يَضُمَّ إليها أخرى. أو لا يستطيع هو أن يُنْفِق على زوجتين، وبالمِثْل قد يكون بالزوج عيب يمنع من وُجود النسل، وهي تتَوَقَّ لإشباع غريزة الأمومة، فلا سبيل إلا الطلاق.
2ـ وقد يكون بأحدهما مرَض مُعدٍ يُحِيل الحياة إلى متاعب وآلام، فيكون العلاج بالطلاق.
3ـ وقد يكون الزوج سيئ العِشْرة خَشِن المعاملة لا يُجدي معه النصح، وقد تكون هي كذلك فلا مَفَرَّ من الفراق.
وقد تكون هناك أسباب أخرى منه أو منها فيكون الطلاق أمرًا لابد منه، والواقع يُقَرِّر أن للطلاق مَضارَّ بجوار ما فيه من منافعَ، فله أثرُه على المرأة إذا لم يكن لها مَوْرِد رزق تعتمد عليه ويُخْشَى أن تسلُك مسالك غير شريفة، وله أثره على الرجل في تَحَمُّل تَبِعاته المالية والنفسية إذا لم يَجِد مَن تعيش معه إذا كان الطلاق بسببه، كما يتضرر به الأولاد الذين لا يَجِدون الرعاية الصحيحة في كنَف الوالدين، فإما أن يعيشوا تحت رعاية زوج أمهم أو تحت رعاية زوجة أبيهم، وإما أن يَتَشَرَّدوا فلا يجدوا ما يَحْمِيهم من الانحراف، وفي ذلك كله ضرر على المجتمع.
ومن أجل هذا جعلَه الإسلام في أضيَق الحدود، ونهاية المطاف في محاولة التوفيق، وقرر أنه أبغض الحلال إلى الله، وبيَّن الحديث الشريف أنه من أهم العوامل التي يَسْتَعِين بها إبليس على إفساد الحياة البشرية، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ:"إن إبليس يضع عرشَه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منزلةً أعظمهم فتنةً، يجيء أحدهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول له: ما صنعتَ شيئًا، قال: ويجيء أحدهم فيقول: ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينه وبين أهله. قال: فيُدنِيه، أو قال: فيَلْتَزِمُه ويقول: نعَم أنتَ" (رواه مسلم)
وكما حذَّر منه الرجلَ حذر المرأةَ فقال:"أيما امرأةٍ سألت زوجَها طلاقًا في غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة" (رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن)
وكان من هَدْي الإسلام في الحدِّ منه إلى جانب ما ذُكِر:
1ـ أنه وَصَف الزواج بالميثاق الغليظ، وذلك يدعو إلى احترامه وعدم التفكير في حَلِّه، قال ـ تعالى ـ: (وكيفَ تأخُذونَهُ وقَدْ أَفْضَى بعضُكُمْ إلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُمْ مِيثاقًا غليظًا) (سورة النساء: 21) .
2ـ جعل الطلاق على مَراحل من أجل التجرِبة فلم يَحكُم بهدْم الحياة الزوجية من أول نِزاع بين الزوجين، بل جعله على ثلاث مرَّات يملك بعد كل من الأولى والثانية أن يُراجعها، ولا تحل له بعد الثالثة حتى تتزوج غيره، قال ـ تعالى ـ: (الطلاقُ مرتانِ فإمساكٌ بمعروفٍ أوْ تسريحٌ بإحسانٍ) ... إلى أن قال: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لهُ من بعدُ حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَهُ) (سورة البقرة: 229 ـ 230) .