فهرس الكتاب
وإذا تمّ العقد أصلًا باتفاق الطرفين، فينبغي أن يتمّ فسخه باتفاق الطرفين أيضًا. ولكن قد يطرأ طارئ على أحد الطرفين يمنعه من تنفيذ التزاماته التعاقدية، كما طرأ على الزوجة دخولها في الإسلام، وأصبحت لا تستطيع الوفاء بواجباتها الزوجية، فإذا استطاعت أن تتراضى مع زوجها على فسخ العقد فهو خير، وإذا لم يوافق زوجها على ذلك فعليها اللجوء إلى القضاء، لأنّ فسخ العقد لا يتمّ إلاّ بالتراضي أو بحكم القاضي.
وإذا كانت في دار الإسلام فإن القاضي يفسخ العقد إذا لم يسلم الزوج - سواء بعد عرض الإسلام عليه أو بدون هذا العرض - وفيما أنّ بعض الفقهاء يرون أنّ عقد الزواج مفسوخ أصلًا وأنّ مهمّة القاضي إعلان هذا الفسخ، فإنّ البعض الآخر يرى أنّ العقد لا يفسخ إلاّ بقرار القاضي أو السلطان - أي من له قرار الفسخ - يؤيّد ذلك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو الذي كان يفرّق بين الزوجين إذا لم يسلم الرجل، أو يقرّهما على نكاحهما الأول حين يسلم. وأنّ عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين هو الذي فرّق بين التغلبي النصراني وزوجته المسلمة حين عرض عليه الإسلام فامتنع. وقد ذكر الصنعاني في سبل السلام رواية عن الزهري (أنّه إن أسلمت المرأة ولم يسلم زوجها فهما على نكاحهما ما لم يفرّق بينهما سلطان) . كما ذكر الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه [المفصل في أحكام المرأة] (وما لم يفرّق الحاكم بينهما يعتبر النكاح قائمًا) . ويقول: (حتّى لو مات الزوج قبل أن يسلم وجب لها المهر وإن لم يكن قد دخل بها، لأنّ النكاح يعتبر قائمًا، والمهر يتقرّر بالموت) وهذا كلّه فيما لو كانت الزوجة في دار الإسلام.
3 -أمّا إذا أسلمت الزوجة، وبقيت تعيش خارج دار الإسلام، فإنّ حكم تحريم المعاشرة الزوجية بينها وبين زوجها غير المسلم تلزمها. ثمّ يجب عليها دعوة زوجها للإسلام، هذا هو واجب كلّ مسلم بشكل عام، وخاصّة تجاه أقربائه وبالأخصّ زوجه، ومن المعلوم أنّ جميع النساء اللائي أسلمن أيّام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كنّ يدعون أزواجهنّ للإسلام، وقصّة إسلام صفوان بن أميّة وعكرمة بن أبي جهل بعد إسلام زوجتيهما معروفة. وحجّة عدم عرض الإسلام على الزوج إذا أسلمت زوجته محصورة في دار الإسلام، لأنّنا أمرنا بموجب عقد الذمّة أن نتركهم وما يدينون، وعرض الإسلام فيه شبهة إكراه. أمّا خارج دار الإسلام، فليس هناك عقد ذمّة ولا شبهة إكراه.
فإذا أسلم زوجها فالعقد السابق قائم بينهما (ما لم يكن هناك سبب آخر لإلغائه) .
وإذا لم يسلم حتىّ انقضت عدّتها، تأكّد حكم تحريم المعاشرة الزوجية بينهما بحكم آخر وهو إباحة زواجها من رجل جديد.
4 -ونحن لا ننصح المسلمة في هذه الحالة بالزواج من رجل آخر، إلاّ بعد أن تفسخ عقد زواجها الأول رسميًا. هذا الفسخ يتمّ أمام السلطة التي عقدت ذلك الزواج وهي غالبًا سلطة مدنية. وقد يتأخّر فسخ العقد إلى سنوات لكنّ الصبر على عدم الزواج أفضل لها، وإلاّ فإنّ زواجها الشرعي من رجل آخر، وبقاء زواجها الرسمي مع الأول، يعرّضها لإشكالات قانونية كثيرة منها تسجيل أولادها من زوجها الثاني على اسم الزوج الأول، أو تسجيلهم كأولاد غير شرعيين، ومنها استحقاق زوجها الأول