فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 5949 من 35630

ومن الحنفية مَن رفض الإباحة المطلقة وقال: لا أقول بالحل، إذ المُحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه، لأنه أصل الصيد، فلما كان يؤاخذ بالجزاء، لا أقل من أن لحقها إثم هنا إذا أسقطت بغير عذر.

ومنهم مَن قال: يكره، فإن الماء بعدما وقع في الرحم مآله الحياة، فيكون له حكم الحياة، كبيضة صيد الحرم.

ولذا قال أهل التحقيق منهم: (فإباحة الإسقاط محمولة على حالة العذر، أو أنها لا تأثم إثم القتل) .

على أن الكثيرين من العلماء خالفوا هؤلاء، ولم يجيزوا الإجهاض ولو قبل نفخ الروح.

ذلك أن هناك طائفة من العلماء تمنع العزل ـ وهو قذف السائل المنوي خارج فرج المرأة ـ وتعتبره لونًا من (الوأد الخفي) كما جاء ذلك في بعض الأحاديث، وذلك لما فيه من منع لأسباب الحياة أن تأخذ سبيلها إلى الوجود والظهور... فهؤلاء يمنعون الإجهاض ويحرمونه بطريق الأولى. فإن أسباب الحياة هنا قد انعقدت بالفعل حين التقى الحيوان المنوي الذكري بالبييضة الأنثوية، في تزاوج وتلاقح جعل منهما كائنًا جديدًا يحمل من الخصائص الوراثية ما لا يعلمه إلا الله تعالى.

على أن هناك من العلماء مَن أجاز العزل لمسوغات وأسباب تتعلق بالأم أو بالوليد السابق، أو بقدرة الأسرة على حسن التربية، أو غير ذلك.. ولكنهم مع هذا لم يجيزوا الإجهاض ونظموه مع الوأد في سلك واحد، وإن اختلفت مرتبتا الجناية.

ومن هؤلاء الإمام الغزالي ـ فقد رأيناه ـ رغم إجازته للعزل لمسوغات معتبرة عنده ـ يفرق بوضوح بين منع الحمل بالعزل وبين إسقاطه بعد وجوده فيقول:

(وليس هذا ـ أي المنع بالعزل ـ كالإجهاض والوأد، لأن ذلك جناية على وجود حاصل، والوجود له مراتب، وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فإن صارت مضغة وعلقة، كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشًا، ومنتهى التفاحش في الجناية هي بعد الانفصال حيًا) . ا هـ

ونلاحظ أن الغزالي يعتبر الإجهاض جناية على وجود بشري حاصل، مع أنه يعبر عن التقاء نطفة الرجل بماء المرأة بأنه (استعداد لقبول الحياة) .

فكيف لو عرف ما عرفناه اليوم بأن الحياة قد وجدت بالفعل منذ تم هذا اللقاء؟.

استخلاص الحكم الشرعي بعد هذا التطواف.

ولهذا نقول: إن الأصل في الإجهاض هو الحرمة. وإن كانت الحرمة تكبر وتعظم كلما استقرت حياة الجنين.

فهو في الأربعين الأولى أخف حرمة، فقد يجوز لبعض الأعذار المعتبرة، وبعد الأربعين تكون الحرمة أقوى، فلا يجوز إلا لأعذار أقوى يقدرها أهل الفقه، وتتأكد الحرمة وتتضاعف بعد مائة وعشرين يومًا، حيث يدخل في المرحلة التي سماها الحديث (( النفخ في الروح ) ).

وفي هذه الحالة لا يجوز الإجهاض إلا في حالة الضرورة القصوى، بشرط أن تثبت الضرورة لا أن تتوهم، وإذا ثبتت فما أبيح للضرورة يقدر بقدرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت