فهرس الكتاب
وبالنظر إلي آراء الفقهاء في حكم إسقاط الجنين الذي يكون في أي مرحلة من مراحل التخلق السابقة بغير عذر؛ يتضح أنه لا خلاف بين الفقهاء في أنه يحرم التسبب لإسقاط الجنين الذي يكون في حالة نفخ الروح فما بعدها إلي الوضع، وهو الذي مضت عليه مائة وعشرون يوما من بدأ الحمل، وأن إسقاطه - والحال هذه- يعد قتلا للنفس بالإجماع الذي حكاه ابن حزم والدردير وغيرهما- فتجب فيه الغرة.
لكنهم اختلفوا في حكم التسبب لإسقاط الجنين الذي يكون في أي مرحلة من المراحل الثلاثة الأخرى علي خمسة مذاهب:
المذهب الأول:
يرى أصحابه أنه لا يجوز التسبب في إخراج النطفة وذلك لأن لها حرمة تقتضي عدم إباحة إفسادها أو التسبب في إخراجها بعد استقرارها في الرحم.
المذهب الثاني:
يرى من ذهب إليه من الفقهاء أنه يجوز التسبب لإسقاط النطفة بخلاف العلقة أو المضغة فيحرم التسبب لإسقاطها علي تفصيل بين بعض أصحاب هذا المذهب في ذلك.
المذهب الثالث:
يرى من ذهب إليه أنه يجوز التسبب لإسقاط النطفة والعلقة دون المضغة التي يحرم التسبب لإسقاطها.
المذهب الرابع:
يرى أصحابه أنه يجوز التسبب لإسقاط الحمل ولو كان علقة أو مضغة ما لم يخلق له عضو أو لم يظهر شئ من خلقه، وذلك لا يكون إلا بعد مضى مائة وعشرين يوما من بدء الحمل.
المذهب الخامس:
يرى من ذهب إليه أنه يجوز التسبب لإسقاط الجنين قبل أن ينفخ فيه الروح .
والذي يبدو لي رجحانه من مذاهب الفقهاء- بعد استعراض ما استدل به لها - هو ما ذهب إليه القائلون بحرمة التسبب في إخراج النطفة وإفسادها لغير عذر، لما وجهوا به مذهبهم، ولأن النطفة في الرحم يصدق عليها أنها جنين لاستتاره فيه، فالاعتداء علي النطفة بإخراجها يصدق عيه أنه اعتداء علي جنين.
ومما يدل كذلك علي أن النطفة هي أول مراحل تخلق الجنين قول الحق سبحانه:"يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة و غير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلي أجل مسمى"إذا بينت الآية أن ابتداء خلق الإنسان - بعد خلق أبيهم آدم عليه السلام من تراب - هو من النطفة، ومثل هذا قوله تعالي:"ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين"إذ المقصود بـ"الإنسان"في الآية الجنس، لأنهم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم عليه السلام وقيل: المراد به آدم والمراد بـ"جعلناه"في الآية أي الجنس باعتبار أفراده الذين هم بنوا آدم، أو جعلنا نسله علي حذف مضاف، إن أريد به آدم ، و"القرار المكين"هو الرحم.