فهرس الكتاب
ويدل لهذا أيضا قوله سبحانه:"فلينظر الإنسان مم خلق* خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب"فالماء الدافق هو المدفوق في الرحم، وأراد الحق بذلك ماء الرجل والمرأة ، لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما.
فكل هذه الآيات تدل علي أن النطفة هي ابتداء تخلق الجنين"كما يدل عليه أيضا قول رسول الله صلي الله عليه وسلم فيما رواه عنه ابن مسعود:"إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك...."الحديث، ولهذا فإنا نقول - كما قال جمهور المالكية والغزالي ومن ذهب مذهبهم من الحنفية والحنابلة ـ إن لهذه النطفة حرمة، فلا يجوز إخراجها أو إفسادها بعد الاستقرار في الرحم."
وبعد هذه العجالة في بيان حكم إجهاض المرأة لغير عذر ، نتطرق لبيان حكم إجهاض المرأة لضرورة، إذا كانت مصابة بمرض نقص المناعة، الذي تنتقل فيروساته منها إلي جنينها عبر المشيمة أو عند الولادة ، كما قال أهل الاختصاص في ذلك.
وباستعراض آراء الفقهاء الذين أدلوا بدلوهم في حكم التسبب لإسقاط الحمل عند عدم العذر، فانه يتبين أنه لم يقل أحد منهم بجواز إسقاطه للعذر إلا الحنفية، الذين أجازوا ذلك قبل أن يتصور الجنين ، أي قبل أن يظهر له أصابع أو رجل أو شعر أو نحو ذلك، وذكروا مثالا للعذر المبيح للإسقاط وهو ما إذا انقطع لبن المرضعة التي ظهر بها الحمل، وخيف هلاك الرضيع، ولم يكن لأبيه ما يستأجر به من ترضعه، وإن كان غير الحنفية لم يصرحوا بجواز التسبب لإسقاط الجنين لعذر إلا أنه وفقا لما ذهب إليه أصحاب المذهب الثاني، يجوز التسبب في إسقاطه إذا كان نطفة أو علقة ويجوز التسبب لإسقاطه تبعا لما قاله بن عقيل الحنبلي ما لم ينفخ فيه الروح ، ولا إثم في إسقاطه في أي مرحلة من المراحل السابقة، تبعا لكل مذهب ولو كان لغير عذر.
وإجهاض المرأة المصابة بمرض الإيدز قد تعارضت فيه مفسدة التسبب في إسقاط حملها حتى لا يولد مصابا بهذا المرض ، مع مصلحة الإبقاء عليه حفاظا علي حقه في الحياة ، وإن كان يولد مريضا بنقص المناعة، ولا يمكن تحقيق المصلحة في الإبقاء عليه ودفع مفسدة إصابته بالمرض الذي تنتقل فيروساته إليه عن طريق المشيمة أو عند الولادة في نفس الوقت، وقواعد الشريعة تقضى بأنه"إذا اجتمعت مصلحة ومفسدة في عمل معين ، ولم يمكن تحصيل المصلحة ودرء المفسدة جميعا وكانت المصلحة أعظم من المفسدة التي تقابلها، قدمت المصلحة"ولهذا فإني أرى أن مصلحة الإبقاء علي هذا الحمل أرجح من المفسدة التي تقابلها وذلك لأن الجنين وإن ولد حاملا المرض ، فلن يعدم العلم وسيلة لشفائه من هذا المرض ، فكم من مرض كان في عداد الأمراض التي لا يرجى البرء منها، ثم صار مما يرجى البرء منه وذلك نتيجة للطفرة الهائلة في مجال العلاج في زماننا هذا، ولم يعد مرضا مما يستعصي علاجه إلا النذر اليسير، بعد أن خطا العلم خطوات واسعة في مجال البحوث الطبية لمعالجة الأدواء المختلفة ، والتي منها هذا الداء الذي ما فتئ العلماء يبحثون عن وسائل للتغلب عليه، ونسمع أو نقرأ بين الحين والآخر عن بعض