فهرس الكتاب
أنْهي الغَيْلة، فنظرْت في الروم وفارس فإذا هم يُغِيلُون أولادهم فلا يضرُّ أولادَهم شيئًا"والغِيْلَة هي جِماع المُرْضِع أو الحامل، ولبنهما يُسمى"الغَيْل"وكانت العرب ترى أنه يضر بالولد ."
ومنها ما رواه البخاري ومسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال"تعوَّذوا بالله من جَهْدِ البلاء ودَرْك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء"وفسَّر ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ جهد البلاء بقلِّة المال وكثرة العيال، ومعنى ذلك أن كثرة العِيال مع الفقْر أمر مكروه يُستعاذ بالله منه، وهو يدل على جواز الحد من الإنجاب بالعزل ونحوه .
كما استدلوا بأحاديث وآثار ضعيفة نَبَّهَ عليها العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، والزُّرقاني على المواهب اللَّدُنِّيَّة منها"خير الناس بعد المائتين الخفيف الحَاذِ، الذي لا أهل له ولا ولد"قلَّة العيال أحد اليسارين وكثرتهم أحد الفَقْرين"وقول عمرو بن العاص في خُطبة له بمصر: إياكم وكثرة العيال وإخفاض الحال وتضييع المال ... ..."
القول الثاني: يُحرِّم العزْل مُطلقًا بدليل حديث مسلم عن جُدامة بنت وهب أن أناسًا سألوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن العزْل فقال"ذلك الوَأْدُ الخَفِيُّ".
القول الثالث: يُجيز العزل إذا أذِنَت الزوجة فيه، ودليله حديث أحمد وابن ماجه عن عمر ـ رضي الله عنه: نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يُعزَل عن الحُرَّة إلا بإذنها، ولعلَّ ذلك لحقِّها أيضًا في الولد .
القول الرابع: يُجيز العزْل في المملوكة دون الحرَّة، وذلك خوفًا على الولد من الرِّق إن كانت زوجة، أو على ضياع ملكه لها إن أصبحت أم ولد بالولادة . والدَّليل هو مفْهوم الحرَّة في الحديث الذي استدل به القول الثالث .
وهذه الأدلَّة كلها مُناقَشة وبخاصة أدلةُ الأقوال الثلاثة الأخيرة، ونُشير إلى بعض ذلك باختصار:
1 ـ أن حديث مسلم في عدم النهي عن الغَيْل يتعارض مع حديث أبي داود في النهْي عنه ونصه"لا تقتلوا أولادكم سرًّا، فإن الغَيْل يُدرِك الفارس فيُدَعْثِرُه عن فرسه"أي يَصرعه إذا صار رجلًا حيث لا يَقوَى على منازلة الشُّجعان، وقد يُجاب عن ذلك بتقديم حديث مسلم؛ لأنه أقوى من حديث أبي داود، فيَبقى الأمر على الجواز، أو يُحمل النهيُ على الكراهة. يقول ابن القيم: لو كان وطْء الحامل والمُرضع حرامًا لكان معلومًا من الدين، وكان بيانه من أهم الأمور ولم تُهملْه الأمَّة وخير القرون .
2 ـ تفسير ابن عمر لجَهد البلاء بقلَّة المال وكثرة العيال غير ملزم .
3 ـ التعبير عن العزْل بالوأْد الخَفِي هو على التشبيه لا على الحقيقة، ويقول ابن القيم: اتَّفق عمر وعلي ـ رضي الله عنهما ـ على أنها موءودة إذا مَرَّ عليها التَّارات السبع، حتى تكون سُلالة من طين ثم تكون نطفة ثم تكون علقة ثم تكون مضغة ثم تكون عظامًا ثم تكون لحمًا، ثم تكون خلقًا آخر .
4 ـ حديث النهي عن العزل عن الحرة إلا بإذنها علَّق عليه ابن تيمية في كتابه"المُنتقى"بأن إسناده ليس بذاك .