فهرس الكتاب
ويرى المالكيّة والحنابلة أنّه بتمام لعان الزّوجين تتأبّد الحرمة بينهما , لقول عمر رضي الله عنه: « المتلاعنان إذا تلاعنا يفرّق بينهما ولا يجتمعان أبدًا » .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا لاعن الزّوج لدرء حدّ قذف الزّوجة بالزّنا عنه ثبتت الحرمة المؤبّدة بينهما بناءً على هذا اللّعان , فإن لاعن لنفي النّسب وحده لم ينقطع به نكاح ولم تسقط به عقوبة بأن كان أبانها أو عفت عن العقوبة أو أقام بيّنةً بزناها .
وقالوا: والحرمة المؤبّدة بينهما بناءً على لعان الزّوج لدرء حدّ قذفه زوجته تقتضي أنّه لا يحل له نكاحها بعد اللّعان , ولا وطؤُها بملك اليمين لو كانت أمةً واشتراها , لما ورد أنّه صلى الله عليه وسلم فرّق بينهما ثمّ قال: « لا سبيل لك عليها » , ولقوله: « المتلاعنان إذا تفرّقا لا يجتمعان أبدًا » .
وإن أكذب الزّوج نفسه فلا يفيده ذلك عود النّكاح ولا رفع تأبيد الحرمة لأنّهما حق له وقد بطلا فلا يتمكّن من عودهما , بخلاف الحدّ ولحوق النّسب فإنّهما يعودان لأنّهما حق عليه , وأمّا حدها ففي كلام الإمام ما يفهم سقوطه بإكذابه نفسه .
23 -الثّالث: حصول الفرقة بين الزّوجين . غير أنّ هذه الفرقة لا تتم إلا بتفريق القاضي عند الحنفيّة وأحمد في إحدى الرّوايتين عنه فلو تمّ اللّعان بين الزّوجين ولم يحكم القاضي بالتّفريق بينهما فالزّوجيّة تعتبر قائمةً في حقّ بعض الأحكام كالميراث ووقوع الطّلاق , فلو مات أحد الزّوجين بعد اللّعان وقبل الحكم بالتّفريق ورثه الآخر , ولو طلّق الزّوج امرأته بعد اللّعان وقبل التّفريق وقع الطّلاق , ولو أكذب الزّوج نفسه حينئذٍ فإنّها تحل له من غير تجديد عقد الزّواج , وحجّتهم في ذلك , ما ورد في قصّة المتلاعنين من أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فرّق بينهما ، فإنّه يدل على أنّ الفرقة لا تقع بلعان الزّوج ولا بلعان الزّوجة , إذ لو وقعت لما حصل التّفريق من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعد وقوع الفرقة بينهما بنفس اللّعان , وما روي في حديث عويمرٍ العجلانيّ أنّه قال: « كذبت عليها يا رسول اللّه إن أمسكتها , فطلّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم » ، فإنّ هذا يقتضي إمكان إمساك المرأة بعد اللّعان وأنّه وقع طلاقه , ولو كانت الفرقة وقعت قبل ذلك باللّعان لما وقع طلاقه ولا أمكنه إمساكها , وأيضًا فإنّ سبب هذه الفرقة يتوقّف على الحاكم فالفرقة المتعلّقة به لا تقع إلا بحكمه قياسًا على الفرقة بالعنّة ونحوها .
وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في المذهب إلى أنّ الفرقة تقع بين الزّوجين بمجرّد اللّعان من غير توقفٍ على حكم القاضي , وقال الشّافعيّة: إنّ الفرقة متعلّقة بلعان الزّوج وإن لم تلاعن الزّوجة , وذلك لما ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنّه قال: « المتلاعنان إذا تلاعنا يفرّق بينهما ولا يجتمعان أبدًا » .
ولأنّ اللّعان يقتضي التّحريم المؤبّد فلا يحتاج للتّفريق به إلى حكم الحاكم كالرّضاع , وأيضًا فإنّ الفرقة لو لم تحصل إلا بتفريق الحاكم لساغ ترك التّفريق بين الزّوجين إذا كرها الفرقة بينهما ولم يرضيا بها , كالتّفريق للعيب والإعسار , وترك التّفريق بينهما لا يجوز رضيا بذلك أو لم يرضيا .
24 -واختلف الفقهاء في نوع الفرقة المترتّبة على اللّعان أهي طلاق أو فسخ ؟ وفي الحرمة المترتّبة على اللّعان أهي حرمة مؤبّدة فلا تحل المرأة للرّجل وإن أكذب نفسه ؟ أو هي حرمة مؤقّتة تنتهي إذا أكذب الرّجل نفسه ؟