فهرس الكتاب
فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّ الفرقة باللّعان فسخ , وهي توجب التّحريم المؤبّد كحرمة الرّضاع , فلا يمكن أن يعود المتلاعنان إلى الزّواج بعد اللّعان أبدًا ولو أكذب الزّوج نفسه أو خرج عن أهليّة الشّهادة أو صدّقته المرأة في قذفه , وذلك لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في المتلاعنين: « لا يجتمعان أبدًا » .
ولما روى سهل بن سعدٍ رضي الله عنه قال: « مضت السنّة بعد في المتلاعنين أن يفرّق بينهما ثمّ لا يجتمعان أبدًا » .
ولأنّ اللّعان قد وجد , وهو سبب التّفريق , وتكذيب الزّوج نفسه أو خروج أحد الزّوجين عن أهليّة الشّهادة لا ينفي وجود السّبب , بل هو باقٍ فيبقى حكمه , وأيضًا فإنّ الرّجل إن كان صادقًا في قذف امرأته فلا ينبغي أن يعود إلى معاشرتها مع علمه بحالها حتّى لا يكون زوج بغيٍّ , وإن كان كاذبًا في قذفها فلا ينبغي أن يمكّن من معاشرتها لإساءته إليها واتّهامها بهذه الفرية العظيمة وإحراق قلبها , ولا يمكن اعتبار الفرقة باللّعان طلاقًا لأنّه ليس بصريح في الطّلاق ولا نوى به الطّلاق , ولأنّه لو كان طلاقًا لوقع بلعان الزّوج دون لعان المرأة , والفرقة بين الزّوجين - عند غير الشّافعيّة - لا تقع إلا بلعانهما .
وقال أبو حنيفة ومحمّد بن الحسن: الفرقة بسبب اللّعان تكون طلاقًا بائنًا لا فسخًا , لأنّها فرقة من جانب الزّوج , والقاضي قام بالتّفريق , نيابةً عنه , فيكون فعله منسوبًا إليه , والفرقة متى كانت من جانب الزّوج وأمكن جعلها طلاقًا كانت طلاقًا لا فسخًا , وإنّما كانت طلاقًا بائنًا , لتوقفها على القضاء , وكل فرقةٍ تتوقّف على القضاء تعتبر طلاقًا بائنًا , وقالا: إنّ الحرمة المترتّبة على اللّعان تزول إذا أكذب الزّوج نفسه أو خرج عن أهليّة الشّهادة , أو خرجت هي عن أهليّتها للشّهادة , لأنّ الزّوج إذا أكذب نفسه أعتبر تكذيبه رجوعًا عن اللّعان , واللّعان شهادة في رأيهما , والشّهادة لا حكم لها بعد الرجوع عنها , وفي هذه الحالة يحد الرّجل حدّ القذف , ويثبت نسب الولد منه إن كان القذف نفي الولد .
وإذا خرج أحد الزّوجين عن أهليّته للشّهادة انتفى السّبب الّذي من أجله كان التّفريق وهو اللّعان , فيزول حكمه وهو التّحريم .
«ثانيًا: آثار اللّعان في حقّ نسب الولد»
25 -إذا تمّ اللّعان بين الزّوجين وكان موضوعه نفي نسب الولد ترتّب عليه انتفاء نسب الولد عن الزّوج وألحق بأمّه , وذلك إذا توافرت الشروط الآتية:
«الشّرط الأوّل: الفوريّة»
26 -أن ينفي الزّوج الولد عند الولادة أو في مدّة التّهنئة بالمولود , وهذا عند أبي حنيفة, ولم يرو عنه في ظاهر الرّواية تقدير هذه المدّة بزمن معيّنٍ , بل جعل تقديرها مفوّضًا إلى رأي القاضي لأنّ نفي الولد أو عدم نفيه يحتاج إلى التّفكير والتّروّي قبل الإقدام عليه , إذ ربّما ينفي نسبه وهو منه , أو يعترف به وهو ليس منه , وكلاهما لا يحل شرعًا , وعلى هذا لا بدّ من إعطاء الزّوح مدّةً يفكّر فيها ويتروّى , وهذه المدّة تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال , فلا يمكن تحديد زمنٍ يطبّق بالنّسبة لجميع الأفراد والحالات , فيجب تفويض ذلك إلى القاضي .