فهرس الكتاب
وذلك إنْ مضت مُدّة المعارَضة والاستئناف ولم يعارض ولم يستأنف، أو استأنف وتأيد الحكم . أما إذا لم يَصِر الحكم بالطلاق نهائِيُّا فلا تترتَّب عليه آثاره ومنه العِدّة حتى يكون نهائيًّا"الفتاوى الإسلامية"المجلد 6 ص2193"."
ويقول الأستاذ الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر:-
زعم البعض أن تربُّص المرأة مدة العدة أيًّا كانت، إنما هو لتبيُّن مدى براءة الرحِم من الحمل، حتى إذا ما أمكن معرفة هذه البراءة بوسيلة من الوسائل الطبية، فلا معنى لتربُّص المرأة هذه المدة، وقد زَيَّن لهذا البعض شياطينُهم أن بوُسْعِهم بعد هذا إلغاء أحكام العِدَّة من الشريعة، بل وإلغاء نصوصها من الكتاب والسنَّة، لعدم الحاجة إليها.
وفي البداية نُقَرِّر أن الفقهاء متفقون على أن تربُّص المرأة المدخول بها مدة العدة أمر أوجبه الشارع عليها، سواء كانت تعتد من طلاق أو وفاة زوجها أو بسبب فسخ النكاح، بل إن جمهور الفقهاء يَرَوْنَ وجوب العدة عليها وإن لم يدخل بها الزوج، إذا كان قد اختلى بها خَلْوَة شرعية صحيحة.
ومما يدل لوجوب العدة على المرأة قول الله، تعالى: (والمطلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بأنفُسِهِنَّ ثلاثةَ قُروءٍ) ، وقوله سبحانه: (والذينَ يُتَوَفَّوْنَ منكم ويذَرُونَ أزواجًا يتربَّصْنَ بأنفُسِهِنَّ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا) ، وقوله جل شأنه: (واللائي يَئِسْنَ من المحيضِ من نسائِكُمْ إنِ ارتَبْتُمْ فعِدَّتهُنَّ ثلاثةُ أشهرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ) ، وقوله، تعالى: (وأُولاتُ الأحمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يضعْنَ حَمْلَهُنَّ) فهذه الآيات، وإن كانت خبرية من حيث اللفظ، إلا أنها تُفيد الإنشاء من حيث المعنى، فتفيد الأمر بما ورد فيها من أحكام العِدَّة، والأمر يقتضي الوجوب، وقيل: إن الفعل مُقتَرِن بلام الأمر، وتقديره: لِيتَرَبَّصْنَ، فحُذِفَت اللام، والفعل المُقتَرِن بلام الأمر يُفيد الوُجوب، فأفادت هذه الآيات وجوب العدة على المرأة المطلَّقة المدخول بها، حاملًا أو غير حامل، والمرأة المتوفَّى عنها زوجها دخل بها أو لم يدخل حاملًا أو حائلًا، وقد حكى ابن العربي وابن قدامة وغيرهما إجماع الفقهاء على وُجوب العدة على المرأة، إلا أن تكون مُطَلَّقة قبل الدخول بها، فلا عدة عليها.
وقد أجهد بعض العلماء أنفُسَهم للوُقوف على حكمة مشروعية العدة، وتوَصَّلوا من خلال اجتهادهم إلى معرفة حكمة مشروعية بعض أنواعها ولم يتوصلوا إلى معرفة حكمة مشروعية البعض الآخر؛ إذ رأَوْا أن شرعية العدة في الطلاق الرجعي لتمكين المطلَّق من العود لمطلقته أثناء العدة بعد زوال سبب التطليق، حرصًا من الشارع على إبقاء الرابطة الزوجية، ورأوا أن شرعيتها في الطلاق البائن أو الفُرْقة لفساد العقد أو الوطء بشبهة لاستبراء الرحم، منعًا من اختلاط الأنساب، ورأوا أنها شُرِعت في حال وفاة الزوج، لتذكُّر نعمة الزواج، ورعاية حق الزوج وإظهار التأثُّر بفقده، وصَوْن كرامة المرأة وسُمعتها من أن يتحدث الناس بأمرها، إذا خرجت أو تزيَّنت دون تربُّص مدة العدة، ورأى بعضهم