فهرس الكتاب
جرير: الإجماع على ذلك , وهو ما كان عليه النساءُ في عهد السَّلَف ، فقد كن يأتين المساجد , ويغشين الأسواق , ويسعفن الجرحى في مواقع القتال , ويخطبن على الرجال , ويناقشن الأمراء والحُكّام . تفعلن ذلك وأمثاله مكشوفات الوجوه .
ومن جال في أرض المسلمين في الأقطار المختلفة يرى أن أكثرهن يخرجن مكشوفات الوجوه , ولا يستره منهن إلا بعض نساء المدن ، وهي عادة حكمت بها غيرة الرجال عندما دخل المسلمون في الحضارة , وانغمسوا في الترف الذي يستلزم الفسق والفجور ، ولذلك ترى أكثر الفقهاء عللوا وجوب ستر المرأة وجهها عن الرجال بخوف الفتنة ، وابتدأ هذا البحث والخلاف في القرن الثاني .
هل يمكن لمكابر أن يقول: إن النساء كن يصلين مكشوفات الوجوه في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته ولا يراهن أحد ؟ إذا كابر أحد نفسَه , وقال: يحتمل أن الرجال لم يكونوا يرون النساء في المسجد ؛ لأنهن يصلين وراءهم , ولم يخشَ أن يقال له: إنهم كانوا يرونهن قبل الصلاة ، إذ كن ينتظرن الجماعة معهم وبعدها عند الانصراف كما هو مأثور مشهور - فهل يسفه نفسه , ويقول: إن الرجال لم يكونوا يرون وُجُوهَ النساء وأيديهن في أثناء أعمال الحجّ مِن طواف , وسَعْي ووقوف بعرفة وجولان في أرض الحرم , ومعلوم لكل مَن يعرف أحكام الحج في الإسلام أن كشف المرأة وجْهَها في الإحرام واجب , ومن النساء من تحرم بالحج من أول أشهره , فتكون أكثر من شهرين محرمة مكشوفة الوجه واليدين أينما كانت , وحيثما حَلَّتْ , وهي مع الرجال في جميع الأعمال .
ومن نظر إلى كلام فقهاء القرون الوسطى الذين رجّحوا تحريمَ النظر إلى الوجه والكفين يجد أنهم لم يأتوا عليه بدليل من الكتاب ولا من السنة ولا من عمل أهل الصدر الأول ، وإنما عللوه بخوف الفتنة وسدّ الذريعة ، وقد قالوا بحرمة النظر إلى وجه الأمرد , وعللوه بتلك العلة ، ومِن العَجَب أن إمام الحرمين من الشافعية اغترّ بمنع الحكام النساء من الخروج في زمنه , وظنّ أنّ عليه جميع المسلمين .
قال الرملي في شرح المنهاج عند تصحيح المتن لحرمة النظر إلى وجه المرأة وكفيها حتى عند الأمن من الفتنة: ( والثاني لا يحرم , ونسبه الإمام للجمهور والشيخان للأكثرين ، وقال في المهمات: إنه الصواب . وقال البلقيني: الترجيح