فهرس الكتاب
الثَّالِثَةُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: الْحَقُّ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ عَيْنًا فِي فُرُوعِ الدِّينِ وَأُصُولِهِ، وَمَنْ عَدَاهُ مُخْطِئٌ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ فِي فُرُوعٍ وَلَا قَاطِعَ، فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي خَطَئِهِ، مُثَابٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْفُرُوعِ مُصِيبٌ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ [1] وَالْجَاحِظُ [2] :لَا إِثْمَ عَلَى مَنْ أَخْطَأَ الْحَقَّ مَعَ الْجِدِّ فِي طَلَبِهِ مُطْلَقًا، حَتَّى مُخَالِفِ الْمِلَّةِ. وَالظَّاهِرِيَّةُ، وَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: الْإِثْمُ لَاحِقٌ لِلْمُخْطِئِ مُطْلَقًا، إِذْ فِي الْفُرُوعِ حَقٌّ مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ، وَالْعَقْلُ قَاطِعٌ بِالنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ لِغَيْرِهِ، إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ قَاطِعٌ، بِنَاءً عَلَى إِنْكَارِهِمْ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسَ، وَرُبَّمَا أَنْكَرُوا الْحُكْمَ بِالْعُمُومِ وَالظَّاهِرِ.
الْأَوَّلُ: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79] وَلَوْلَا تَعَيُّنُ الْحَقِّ فِي جِهَةٍ لَمَا خُصَّ بِالتَّفْهِيمِ، وَلَوْلَا سُقُوطُ الْإِثْمِ عَنِ الْمُخْطِئِ لَمَا مُدِحَ دَاوُدُ بِـ {وَكُلًّا آَتَيْنَا} [الأنبياء:79] .
الثَّانِي: لَا غَرَضَ لِلشَّارِعِ فِي تَعْيِينِ حُكْمٍ، وَإِنَّمَا قَصْدُهُ تَعَبُّدُ الْمُكَلَّفِ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى اجْتِهَادِهِ الظَّنِّيِّ، وَطَلَبُ الْأَشْبَهِ، فَإِنْ أَصَابَهُ أُجِرَ أَجْرَيْنِ، وَإِنْ أَخْطَأَهُ أُجِرَ
(1) عبيد الله بن الحسين بن الحصين العنبري، قاضي البصرة، فقيه محدث، توفي سنة 168 هـ.
ينظر: التاريخ الكبير (5/ 376) أخبار القضاة (2/ 88) البداية والنهاية (10/ 151) .
(2) أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ البصري، متكلم معتزلي، المتوفى سنة 255 هـ. من مصنفاته: البيان والتبيين، وكتاب الحيوان.
ينظر: تاريخ بغداد (12/ 212) سير أعلام النبلاء (11/ 526) البداية والنهاية (11/ 19) .