كان موت محمد صلى الله عليه وسلم مصيبة عظيمة ، وابتلاءًا شديدًا ، ومن خلالها وبعدها ظهرت شخصية الصديق كقائد للأمة فذ لا نظير له ولا مثيل (1) ، فقد أشرق اليقين في قلبه وتجلى ذلك في رسوخ الحقائق فيه ، فعرف حقيقية العبودية ، والنبوة ، والموت ، وفي ذلك الموقف العصيب ظهرت حكمته رضي الله عنه ، فانحاز بالناس إلى التوحيد (من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) وما زال التوحيد في قلوبهم غضًا طريًا ، فما إن سمعوا تذكير الصديق لهم حتى رجعوا إلى الحق (2) ، تقول عائشة رضي الله عنها: فوالله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر رضي الله عنه فتلقاها منه الناس ، فما يسمع بشر إلا يتلوها (3) . ولا شك أن هذه الحادثة أخذت مكانها الطبيعي في ذاكرة الحسن بن علي وأصبحت من ضمن ثقافته ومعرفته ، فقد كان عمر الحسن عندما مضى رسول الله إلى الرفيق الأعلى سبع أو ثماني سنين وهو طور تنمو فيه مدارك الطفولة ، وتكون فيه فكرة الطفل كالعدسة اللاقطة تنقل إلى ذاكرته كثيرًا من المشاهدات والصور ، والحسن من الأطفال الأذكياء وله من الاستعداد لأن يستوعب مجريات ذلك العهد ويفهم الغايات السامية والأعمال العظيمة ، والمواقف المشهودة والقيم الكبرى التي قام بها الصديق ، ولقد أثرت تلك الأعمال والمواقف على نفسية الحسن وتملك قلبه حب الصديق وسمّى أحد أبنائه عليه . ومن أهم الدروس التي تعلمها الحسن من وفاة النبي هي أن البقاء للمبادئ وليست للأشخاص وأهمية التعلق بالله وحده فهو الباقي وهو النافع والضار وهو على كل شئ قدير .
2 ـ سقيفة بني ساعدة:
(1) دولة ـ مجدي حمدي صـ 25 ، 26 .
(2) استخلاف أبو بكر الصديق صـ 160 .
(3) البخاري ، رقم 1241 ، 242 .