وكان أبو بكر الصديق زاهدًا في الإمارة وظهر زهده في خطبته التي اعتذر فيها من قبول الخلافة حيث قال: والله ما كنت حرصًا على الإمارة يومًا ولا ليلة قط ولا كنت فيها راغبًا ولا سألتها الله عزَّ وجل في سر وعلانية ، ولكني أشفقت من الفتنة ، ومالي في الإمارة من راحة ولكن قلدت أمرًا عظيمًا مالي به طاقة ولا يد إلا بتقوية الله عز وجل ، ولو وددت أن أقوي الناس عليها مكاني (1) ، وقد قام بإستبراء نفوس المسلمين من أي معارضة لخلافته واستحلفهم على ذلك فقال: أيها الناس أذكر الله أيما رجل ندم على بيعتي لما قام على رجليه ، فقال علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، ومعه السيف ، فدنا منه حتى وضع رِجلًا على عتبة المنبر ، والأخرى على الحصى وقال: والله لا نقيلك ولا نستقيلك قدّمك رسول الله فمن ذا يؤخرك (2) ، هذه هي الحقائق التي عرفها وتعلمها الحسن بن علي عن حادثة السقيفة لا كما يدعي مزورو التاريخ ولم يكن أبو بكر وحده الزاهد في أمر الخلافة والمسئولية ، بل أنها روح العصر ـ ويمكن الرجوع إلى النصوص التي تمّ ذكرها بتوسع في كتابي الانشراح ورفع الضيق بسيرة أبي بكر الصديق (3) ، ويمكن القول: إن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة لا يخرج عن هذا الاتجاه ، بل يؤكد حرص الأنصار على مستقبل الدعوة الإسلامية واستعدادهم المستمر للتضحية في سبيلها ، فما أن اطمأنوا على ذلك حتى استجابوا سراعًا لبيعة أبي بكر الذي قبل البيعة لهذه الأسباب ، وإلا فإن نظرة الصحابة مخالفة لرؤية الكثير مما جاء بعدهم ممن خالفوا المنهج العلمي ، والدراسة الموضوعية ، بل كانت دراستهم متناقضة مع روح ذلك العصر ، وآمال وتطلعات أصحاب رسول الله من الأنصار وغيرهم ، وإذا كان اجتماع
(1) المستدرك (3/66) قال الحاكم: حديث صحيح وأقره الذهبي .
(2) الأنصار في العصر الراشدي صـ 108 ، الرياض النضرة (1/216) .
(3) الانشراح ورفع الضيق بسيرة أبي البكر الصديق صـ 136 إلى 187 .