الصفحة 201 من 383

لما عاد القعقاع وأخبر أمير المؤمنين علي بما فعل ، أرسل علي رضي الله عنه رسولين (1) إلى عائشة والزبير ومن معه يستوثق فيه مما جاء به القعقاع بن عمرو ، فجاءا عليًا ، بأنه على ما فارقنا عليه القعقاع فأقدم ، فارتحل علي حتى نزل بحيالهم ، فنزلت القبائل إلى قبائلهم مضر إلى مضر وربيعة إلى ربيعة ، واليمن إلى اليمن ، وهم لا يشكون في الصلح ، فكان بعضهم بحيال بعض ، وبعضهم يخرج إلى بعض ، ولا يذكرون ولا ينوون إلا الصلح (2) . وكان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لما نوى الرحيل قد أعلن قراره الخطير: ألا وأني راحل غدًا فارتحلوا يقصد إلى البصرة ، ألا ولا يرتحلن غدًا أحدٌ أعان على عثمان بشئ في شئ من أمور الناس (3) ، وكان في معسكر علي رضي الله عنه من أولئك الطغاة والخوارج الذي قتلوا عثمان من لم يعرف بعينه ومن تنتصر له قبيلته ، ومن لم تقم عليه حجة بما فعله ، ومن في قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره (4) ، وحرص أتباع ابن سبأ على إشعال الفتنة وتأجيج نيرانها حتى يفلتوا من القصاص (5) ، فلما نزل الناس منازلهم واطمأنوا خرج علي وخرج طلحة والزبير ، فتوافقوا وتكلموا فيما اختلفوا فيه ، فلم يجدوا أمرًا هو أمثل من الصلح ، وترك الحرب حين رأوا أن الأمر أخذ في الانقشاع ، فافترقوا على ذلك ، ورجع علي إلى عسكره ، ورجع طلحة والزبير إلى عسكرهما ، وأرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما وأرسل علي إلى رؤساء أصحابه ما عدا أولئك الذين حاصروا عثمان رضي الله عنه ـ فبات الناس على نية الصلح والعافية وهم لا يشكون في الصلح ، فكان بعضهم بحيال بعض وبعضهم يخرج إلى بعض ، ولا ينوون إلا الصلح ، وبات الذين أثاروا الفتنة بشر ليلة باتوها قط ، إذ أشرفوا على الهلاك ، وجعلوا يتشاورون ليلتهم

(1) تاريخ الطبري (5/525) .

(2) المصدر نفسه (5/539) .

(3) المصدر نفسه (5/525) .

(4) المصدر نفسه (5/526) .

(5) المصدر نفسه (5/527) ، تحقيق مواقف الصحابة (2/120) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت