الصفحة 219 من 383

لو تمكن علي من إقامة الحد على قتلة عثمان ، حتمًا ستكون النتيجة خضوع معاوية لعلي ومبايعته له ، لأنه التزم بذلك في موقفه من تلك الفتنة ، كما أن كل ما حارب معه كانوا يقاتلون على أساس إقامة الحد على قتلة عثمان ، على أن معاوية إذا كان يخفي في نفسه شيئًا آخر لم يعلن عنه ، سيكون هذا الموقف بالتالي مغامرة ، ولا يمكن أن يقدم عليها إذا كان ذا أطماع (1) . إن معاوية رضي الله عنه كان من كتّاب الوحي ومن سادة المسلمين المشهورين بالحلم ويكفيه شرف الصحبة ، فكيف يعتقد أن يقاتل الخليفة الشرعي ويهرق دماء المسلمين من أجل مُلْك زائل ، وهو القائل: والله لا أخير بين أمرين ، بين الله وبين غيره إلا اخترت الله على ما سواه (2) ، وقد ثبت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال فيه: اللهم أجعله هاديًا مهديًا وأهد به (3) ،وقال: اللهم علمه الكتاب وقيه العذاب (4) . أما وجه الخطأ في موقفه في مقتل عثمان ـ رضي الله عنه ـ فيظهر في رفضه أن يبايع لعليّ ـ رضي الله عنه ـ قبل مبادرته إلى الاقتصاص من قتلة عثمان ويضاف إلى ذلك خوف معاوية على نفسه لمواقفه السابقة من هؤلاء الغوغاء وحرصهم على قتله بل ويلتمس منه أن يمكنه منهم ، مع العلم أن الطالب للدم لا يصح أن يحكم ، بل يدخل في الطاعة ، ويرفع دعواه إلى الحاكم ، ويطلب الحق عنده (5) ، وقد اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتصّ من أحد ويأخذ حقه دون السلطان ، أو من نصبه السلطان لهذا الأمر ، لأن ذلك يفضي إلى الفتنة وإشاعة الفوضى (6) ، ويمكن القول إن معاوية ـ رضي الله عنه ـ كان مجتهدًا متأولًا يغلب ظنه أن الحق معه فقد قام خطيبًا في أهل الشام بعد أن جمعهم

(1) تحقيق مواقف الصحابة (2/150) .

(2) سير أعلام النبلاء (3/151) .

(3) صحيح سنن الترمذي للألباني رقم 3018 (3/236) .

(4) فضائل الصحابة (2/913) إسناده صحيح .

(5) تحقيق مواقف الصحابة (2/151) .

(6) تفسير القرطبي (2/256) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت