فهرس الكتاب
نشب الحرب بين علي ومعاوية رضي الله عنهما في صفين وقد فصلنا تلك الأحداث في كتابي أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وقد اشتد القتال وتوجّه النصر فيها لأهل العراق على أهل الشام ، وتفرقت صفوفهم ، وكادوا أن ينهزموا ، فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح وقالوا: هذا بيننا وبينكم قد فني الناس ، فمن لثغور أهل الشام بعد أهل الشام ، ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق ؟ فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت ، قالوا: نجيب إلى كتاب الله عز وجل وننيب إليه (1) ، فالدعوة إلى تحكيم كتاب الله دون التأكيد على تسليم قتلة عثمان إلى معاوية وقبول التحكيم دون التأكيد على دخول معاوية في طاعة علي والبيعة له ، تطور فرضته أحداث حرب صفين ، إذ أن الحرب التي أودت بحياة الكثير من المسلمين ، أبرزت اتجاها جماعيا رأى أن وقف القتال وحقن الدماء ضرورة تقتضيها حماية شوكة الأمة وصيانة قوتها أمام عدوها ، وهو دليل على حيوية الأمة ووعيها وأثرها في اتخاذ القرارات (2) ، فقد قبل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وقف القتال في صفين ورضي التحكيم وعد ذلك فتحا ورجع إلى الكوفة ، وعلق على التحكيم آمالًا في إزالة الخلاف وجمع الكلمة ووحدة الصف ، وتقويت الدولة ، وإعادة حركة الفتوح من جديد وكان أمير المؤمنين بعد نهاية الجولات الحربية في صفين يتفقد القتلى ، وقد وقف على قتلاه وقتلى معاوية فقال: غفر الله لكم ، غفر الله لكم ، للفريقين حميعًا (3) ، وعن يزيد بن الأصم قال: لما وقع الصلح بين علي ومعاوية ، خرج علي فمشى في قتلاه فقال: هؤلاء في الجنة ثم خرج إلى قتلى معاوية فقال: هؤلاء في الجنة ، وليصير الأمر إلي وإلى معاوية (4) وكان يقول
(1) تنزيه خال المؤمنين معاوية صـ 36 نقلا عن تاريخ الطبري .
(2) دراسة في تاريخ الخلفاء الأمويين صـ 38
(3) خلافة علي بن أبي طالب ، عبد الحميد صـ 250 .
(4) مصنف ابن أبي شيبة ( 15 / 303) سند حسن .