كتاب الأغاني جر هذين الباحثين إلى الحط من أخلاق الجماهير في عصر الدولة العباسية ، وحملها على الحكم بأن ذلك العصر كان عصر فسق وشك ومجون ولا شك أن إكثار الأصفهاني من تتبع سقطات الشعراء وتلمس هفوات الكتاب جعل في كتابه جوًّا مشبعًا بأوزار الإثم ، والغواية ، وأذاع في الناس فكرة خاطئة هي اقتران العبقرية بالترف والطيش (1) . إن الخطر كل الخطر أن يطمئن الباحثون إلى أن لروايات الأغاني قيمة تاريخية ، وأن يبنوا على أساسها ما يثيرون من حقائق التاريخ ، ولقد كان من أخطر أعمال التغريب هو توجيه الباحثين إلى اتخاذ الأغاني مصدرًا لدراسة المجتمع الإسلامي ، بينما قصر عند جانب واحد هو جانب اللهو ، ولم يتعرض للجوانب الأخرى الجادة في المجتمع وهي متعددة ، ومن هنا يوحي حين الاعتماد عليه كمصدر أن الحياة الإسلامية في القرن الثاني الهجري كانت لهوًا ، وهو ما صرح به طه حسين ورده الكثيرون وكشفوا زيفه .. كذلك اعتمد المستشرق لامنس على كتاب الأغاني في كتابه تاريخ بني أمية ، وكذلك ما أورده المستشرق فلهوزن في كتابه (( الدولة العربية وسقوطها ) )ويحاول جبور عبد النور أن يدافع عن الأصفهاني فيسأل: أفمن الضروري إن كان المؤرخ فاسقًا أو مسرفًا يتتبع الإسراف في اللذات والشهوات أن لا يكون مؤرخًا وألا يكون صادقًا فيما يروي أو يقول أو يكتب ؟ ونحن نقول له: نعم ، في فكرنا الإسلامي ، فإن لم يكن في الفكر الغربي كذلك ، فهذا أمر آخر ، إن فكرنا الإسلامي وضع قواعد البحث والنقد والعلم على أساس الارتباط الجذري بين علم الباحث وشخصيته ، فإن كان منحرفًا في حياته ، مضطربًا في شخصيته ، بعيدًا عن الأخلاق والدين ، فنحن نرفضه مصدرًا علميًا ولا نقبل له شهادة ، والأصفهاني بشهادة الجميع من أنصاره وخصومه على السواء مهدور الرأي ساقط الشهادة ، وإن فسقه الشخصي قد أدخل كثيرًا من
(1) المصدر نفسه صـ 100 إلى 103 نقلًا عن كتب حذر العلماء منها (2/40) .