فهرس الكتاب
ـ ومن عاشره من الأخيار ، فقد كان عابدًا بمعرفة ، مقبلًا على الله بيقين ، مدبرًا عن الدنيا وشواغلها برضى واطمئنان ، ولهذا كان إذا توضأ وفرغ من الوضوء تغير لونه ، فقيل له في ذلك فقال: حق من أراد أن يدخل على ذي العرش أن يتغير لونه (1) ، وقد ذكر ابن سعد قوله: ما رأيت أخوف من الحسن بن علي وعمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما (2) ، فكلما اقترب العبد من مولاه ، وتعرف على أسمائه وصفاته ، ونعوت كماله ، ازدادت هيبته وإجلاله وخوفه منه فهو سبحانه وتعالى يداول الأيام بين الناس قال تعالى: (( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) (آل عمران ، آية: 26) . يقلب الدول ، فيذهب بدولة ، ويأتي بأخرى والرسل من الملائكة ـ عليهم السلام ـ بين صاعد إليه بالأمر ، ونازل من عنده به ، وأوامره متعاقبة على تعاقب الآيات ، نافذة بحسب إرادته ، فما شاء كان كما يشاء في الوقت الذي يشاء على الوجه الذي يشاء من غير زيادة ولا نقصان ، ولا تقدم ولا تأخر ، وأمره وسلطانه نافذ في السماوات وأقطارها ، وفي الأرض وما عليها وفي البحار ، وفي الجو وفي سائر أجزاء العالم وذراته ، يقلبها ، ويصرفها ويحدث فيها ما يشاء (3) ، قال تعالى: (( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) ) (السجدة ، آية: 5) . فهو سبحانه لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماوات ، ولا في قرار البحار ، ولا تحت أطباق الجبال ، قال تعالى: (( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا
(1) وفيات الأعيان (2/69) .
(2) الطبقات الكبرى (5/398) .
(3) الإيمان أولًا فكيف نبدأ به ، مجدي الهلالي صـ