الصفحة 302 من 383

الْمَأْوَى )) (النازعات ، آية: 37 ـ 41) . كما أن النفس تحب الرفعة والعُلُوَّ على أبناء جنسها ومن هنا نشأ الكبُر والحسد ، ولكنَّ العاقل ينافس في العلو الدائم الباقي الذي فيه رضوان الله وقربه وجواره ، ويرغب عن العلوِّ الثاني الذي الفاني الزائل الذي يعقبه غضب الله وسخطه وانحطاط العبد وسفوله وبعده عن الله وطرده عنه ، فهذا العلو الثاني الذي يُذَمُّ وهو العتو والتكبر في الأرض بغير الحقِّ . وأما العلوُّ الأول والحرص عليه ، فهو محمود قال الله تعالى: (( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) ) (المطففين ، آية: 26) . وقال الحسن: إذا رأيت الرَّجُل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة ، وقال وهيب بن الورد: إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل (1) . ففي درجات الآخرة الباقية يُشرعُ التنافس وطلب العلوِّ في منازلها والحرص على ذلك بالسِّعي في أسبابه ، وأن لا يقنع الإنسان منها بالدون مع قدرته على العلوِّ ،ـ وأما العلوُّ الفاني ، المنقطع الذي يُعقب صاحبه غدًا حسرة وندامة وذلة وهوانًا وصغارًا فهو الذي يُنْشَرُ الزهد فيه والإعراض عنه (2) ، وهذا الفقه العظيم والفهم العميق نتعلمه من سيرة الحسن بن علي رضي الله عنه فقد ترك الملك والسلطان رغبة فيما عند الله وحقنًا لدماء المسلمين ، فقد تركها وهو في قوة ومنعة فقد قال: كانت جماجم العرب بيدي ، يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله (3) . وقال في رواية أخرى: .. ولكن خشيت أن يجئ يوم القيامة سبعون ألفًا أو ثمانون ألفًا ، أو أكثر أو أقلُّ ، كلهم تنضح أوداجهم دمًا ، كلهم يستعدي الله فيم هُرِيق دمه (4) ، لقد بايع الحسن بن علي بعد وفاة علي تسعون ألفًا (5) ، فزهد في الخلافة ، فلم يُردها وسلّمها لمعاوية وقال

(1) المصدر نفسه صـ 72 .

(2) المصدر نفسه صـ 73 .

(3) البداية والنهاية (11/206) .

(4) تاريخ دمشق (14/104) .

(5) المصدر نفسه (14/98) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت