فهرس الكتاب
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله ولا تحسدنَّ أحدًا على رزق الله ، ولا تلوم أحدًا على ما لم يؤتك الله ، فإنّ الرزق لا يسوقه حِرصُ حريصٍ ، ولا ترده كراهة كاره ، فإن الله بقسطه جعل الروح والفرح في اليقين والرِّضا . وجعل الهمَّ والحزن في الشك والسَّخط (1) ، وكان عبد الواحد بن زيد يحلف بالله لحرص المرء على الدنيا أخوف عليه عندي من أعْدَى أعدائه . وكان يقول: يا أخوتاه لا تغبطوا حريصًا على ثروته وسعته في مكسب ولا مال وانظروا له بعين المقت له في اشتغاله اليوم بما يرديه غدًا في المعاد ثمَّ يتكبَّر وكان يقول: الحرص حرصان: حرص فاجع ، وحرص نافع ، فأما النافع فحرص المرء على طاعة الله ، وأما الحرص الفاجع ، فحرص المرء على الدنيا (2) . وكتب بعض الحكماء إلى أخ له كان حريصًا على الدنيا: أما بعد: فإنك أصبحت حريصًا على الدنيا تخدمها وهي تخرجُك من نفسها بالأعراض والأمراض والآفات والعلل ، كأنك لم تر حريصًا محرومًا ولا زاهدًا مرزوقًا وقال بعض الحكماء: أطول الناس همًا الحسود ، وأهنؤهم عيشًا القنوع وأصبرهم على الأذى الحريص ، وأخفضهم عيشًا أرفضهم للدنيا وأعظم ندامة العالم المفرِط (3) . قال الشاعر:
الحرص داء قد أضرَّ *** بمن ترى إلاَّ قليلا
كم من حريص طامع *** والحرص صيَّرهُ ذليلًا (4)
وقال الشاعر محمود الوراق:
ونازح الدار لا ينفك مغتربًا *** عن الأحبة لا يدرون بالحال
بمشرق الأرض طورًا ثم مغربها *** لا يخطر الموت من حرص على بال
ولو قنعت أتاك الرزق في دعة *** إنَّ القنوع الغِنَى لا كثرة المال
وقال أيضًا:
أيها المتعب جهدًا نفسه *** يطلب الدنيا حريصًا جاهدًا
(1) المصدر نفسه صـ 26 .
(2) ما ذئبان جائعان صـ 26 .
(3) المصدر نفسه صـ 27 .
(4) المصدر نفسه صـ 27 .