فهرس الكتاب
لا لك الدنيا ولا أنتَ لها *** فاجعلِ الهمينِ همًا واحدًا (1)
وأما النوع الثاني: من الحرص على المال أن يزيد على ما سبق ذكره في النوع الأول ، حتى يطلب المال من الوجوه المحرّمة ويمنع الحقوق الواجبة ، فهذا من الشحِّ المذموم ، قال الله تعالى: (( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) (التغابن ، الآية: 16) . وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا الشحَّ فإنَّ الشحَّ أهلك من كان قبلكم أمرهم بالقطيعة فقطعوا ، وأمرهم بالبخل فبخلوا ، وأمرهم بالفجور ففجروا (2) ، وقال طائفة من العلماء: الشُّحُّ هو الحرص الشديد الذي يحمل صاحِبَهُ على أن يأخذ الأشياء من غير حِلِّها ، ويمنعها حقوقها (3) ، والبخل هو إمساك الإنسان ما في يده . والشّحُ تناول ما ليس له ظلمًا وعُدْوانًا من مال أو غيره . حتى قيل: إنه رأس المعاصي كلِّها ، وبهذا فسَّرَ ابن مسعود رضي الله عنه وغيره من السلف الشحَّ والبخل (4) ، وقد يستعمل الشُّح بمعنى البخل وبالعكس ، ولكنَّ الأصل هو التفريق بينهما على ما ذكرناه ومتى وصل الحرص على المال إلى هذه الدرجة نقص بذلك الدين والإيمان نقصًا بيِّنًا ، فإن منع الواجبات وتناول المحرمات ينقص بهما الدين والإيمان بلا ريب حتى لا يبقى منه إلا القليل (5) ، وأما حرص المرء على الشرف فهو أشد إهلاكًا من الحرص على المال ، فإن طلب شرف الدنيا والرفعة فيها ، والرياسة على الناس ، والعُلُوِّ في الأرض أضرُّ على العبد من طلب المال ، وضرره أعظم ، والزهد فيه أصعب ، فإن المال يبذل في طلب الرياسة والشرف والحرص على الشرف قسمين: أحدهما: طلب الشرف بالولاية والسلطان والمال ، وهذا خطر جِدًَّا وهو في الغالب يمنع خير الآخرة
(1) المصدر نفسه صـ 29 .
(2) سنن أبي داود (2/324) رقم 1698 ، صححه الألباني .
(3) ما ذئبان جائعان صـ 31 .
(4) المصدر نفسه صـ 31 .
(5) المصدر نفسه صـ 31 .