الصفحة 346 من 383

3 ـ قال أمير المؤمنين الحسن بن علي رضي الله عنه: إني أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني ، وكان عظيم ما عظَّمه في عيني صِغرُ الدنيا في عينه ، كان خارجًا عن سلطان بطنه ، فلا يشتهي مالا يجد ، ولا يكثر إذا وجد ، وكان خارجًا من سلطان فرجه ، فلا يستخف له عقله ولا رأيه ، وكان خارجًا من سلطان الجهلة ، فلا يمد يدًا إلا على ثقة المنفعة ، كان لا يسخط ولا يتبرم ، كان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم ، وكان إذا غُلِب على الكلام لم يُغلَب على الصمت ، كان أكثر دهره صامتًا ، فإذا قال بذَّ القائلين ، كان لا يشارك في دعوى ، ولا يدخل في مراء ، ولا يدلي بحجة حتى يُرى قاضيًا يقول ما يفعل ، ويفعل ما لا يقول تفضلًا وتكرمًا ، كان لا يغفل عن أخوانه ، ولا يستخص بشئ دونهم ، كان لا يلوم أحدًا فيما يقع العُذر بمثله ، كان إذا ابتدأه أمران لا يَرى أيهما أقرب إلى الحقِّ ، نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه (1) . ففي هذا الأثر ترشيد وتوضيح وتعليم للناس نحو صفات كريمة وأخلاق حميدة ، وهذا منهج سلوكي رفيع ينبغي أن نربي عليه أنفسنا وأبنائنا حتى يتحول إلى واقع ملموس في الحياة ، ونستفيد من ذلك الأثر دروسًا وعبر منها:

ـ قول الحسن رضي الله عنه: وكان عظيم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه (2) : ولا تصغر الدنيا إلا في عين من عرف حقائق الأمور واستقر التصور الصحيح عن الله والحياة والكون والجنة والنار ، والقضاء والقدر واستوعب بعمق فقه القدوم على الله تعالى فعمل للباقي وترفع عن الفاني ، وأيقن أن الدنيا دار اختبار وابتلاء وعليه ، فإنه مزرعة للآخرة ، ولذلك تحرّر من سيطرة الدنيا بزخارفها ، وزينتها ، وبريقها وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرًا وباطنًا ، وكان وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ، ومن هذه الحقائق .

(1) المصدر نفسه (11/199) .

(2) المصدر نفسه (11/199) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت