الصفحة 357 من 383

ولقد ضرب السلف الصالح أبلغ المثل في الحرص على الطلب ، والسعي في الأخذ عن أهل العلم والاستماع إليهم واحترامهم وتقديرهم تشهد لذلك قصصهم التي ساقها الخطيب البغدادي وغيره في هذا المجال .

ـ قول الحسن بن علي رضي الله عنه: كان أكثر دهره صامتًا ، فإذا قال بذَّ القائلين ، كان لا يشارك في دعوى ، ولا يدخل في مراء (1) . فالحسن بن علي رضي الله عنه يدعو إلى التقليل من الكلام ، ومنابذة المراء ، وفي الحديث: إذا أصبح العبد فإن الأعضاء كُلها تُكفِّرُ اللسان ، تقول: اتِّق الله فينا ، فإنما نحن بك ، فإذا استقمت استقمنا ، وإن أعوججت أعوججنا (2) ، وقد كان السلف يحاسب أحدهم نفسه في كلامه ، لئن اللسان أيسر حركات الجوارح وهي أضرُّها على العبد ، وكان الصديق رضي الله عنه يمسك بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد (3) ، والكلام أسيركُ ، فإذا اخرج من فيك صرت أنت أسيره والله عند لسان كل قائل (( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) ) ( ق ، الآية: 18 ) . وفي اللسان آفتان عظيمتان إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام ، وآفة السكوت ، وقد يكون كل منهما أعظم إثمًا من الأخرى في وقتها ، فالساكت عن الحق شيطان أخرس ، عاص لله ، مراء ، مداهن ؛ إذا لم يخف على نفسه ، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق ، عاص لله ، وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته ؛ فهم بين هذين النوعين، وأهل الوسط ـ وهم أهل الصراط المستقيم ـ كفُّوا ألسنتهم عن الباطل ، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة ، فلا ترى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة ، فضلا عن أن نضره في آخرته ، وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال ، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلَّها ، ويأتي بسيئات أمثال الجبال ، فيجد لسانه قد هدمها

(1) البداية والنهاية (11/199) .

(2) الترمذي رقم 2407 حسنه الألباني في الصحيح الجامع (1/5136) .

(3) جهاد النفس صـ 76

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت