فهرس الكتاب
الذي قضاه في كل ذلك ، لعلمه أن الله عز وجل حكيم في فعله وتدبيره وقضائه ودود مع عباده لا يفعل لهم إلا محض الخير مهما بدا لأنفسهم خلافه (1) ، وقد كان جدّ الحسن صلى الله عليه وسلم القدوة المثلى والأسوة الحسنى ، فقد بين لنا صلى الله عليه وسلم كيف كان رضاه عن الله تعالى فيما يبتليه به في الحياة من متاعب في النفس أو المال أو البنين أو الأقارب ؟ ، فكان صلى الله عليه وسلم على ذلك النحو من الرضا كمالًا وتمامًا سواء فيما ناله من الأذية في نفسه من جراء دعوته إلى الله تعالى في مكة أو في الطائف أو في المدينة ، ولقد بلغت به الأذيّة، أن جرت عليه عدة محاولات اغتيال فلم تفلح، فلم يزد على تقرير المحاولين ما أرادوه ، ثم العفو عنهم ، وأما رضاه بما كان عليه من القلة في المال ، فلم تعرف البشرية رضًا مثله ، حيث بلغ به في حاله ذاك ، أن جعل يدعو الله تعالى ويقول: اللهم أجعل رزق آل محمدًا قوتًا (2) ، وأما في فقد الأولاد فلما مات خال الحسن ولد النبي صلى الله عليه وسلم الرضيع إبراهيم عليه السلام عن ثمانية عشرًا شهرًا ، وقد رزق به على الكِبَر وبعد موت أبنائه الذكور من قبل ، لم يتزعزع رضاه عليه الصلاة والسلام لقضاء الله وقدره ، بل أعلن رضاه بذلك ، وقال فيما رواه عنه أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ: إن العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا بما يرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون (3) وأما أقاربه صلى الله عليه وسلم فقد صُرِّعوا حوله بين يديه في الدفاع عنه وعن دعوته ، فلم يتبرم لذلك ، بل جاء أنه قال في حق عمه أسد الله وأسد رسوله حمزةبن عبد المطلب (4) رضي الله عنه ـ الذي استشهد بأحد ، ومُثِّلَ به أيَّما تمثيل: فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع للقلب منه ، نظر إليه ،
(1) أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن والسنة (1/96) .
(2) البخاري ، الرقائق رقم 1055 .
(3) مسلم رقم 2315 .
(4) طبقات بن سعد (3/8) .