فحينئذ يكون هذا الحديث إنما خصوصية لآل جعفر وواقعة عين فلا ينهض به الاستدلال على منع الوليمة من أهل الميت ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم من مات له ميت فلا يولم ولا يطعم الناس ولم يجئ في الحديث نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الميت عن الوليمة وأن بطعموا غيرهم. بل الذي جاء في الحديث أن أهل الميت أولموا وأطعموا ودعوا الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه فأجاب دعوتهم وأقرهم على ذلك ولم ينكر عليهم إلا أخذ الشاة بغير بيع صحيح وبغير رضا مالكها. وقد جاء أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع النساء ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم صنع ثريد فصبت التلبينة عليه ثم قالت كلوه الحديث كما في البخاري. ومن ينظر في قواعد الشرع بالنظر الصحيح يرى أن لا محذور في وليمة أهل الميت إذا صنعوها وأطعموا غيرهم تقربا إلى الله عز وجل وتسليا عن المصاب وإكراما للضيف النازلين عليهم للتعزية، ولكن قيده الفقهاء رحمهم الله تعالى بأن لا يكون من مال الورثة القاصرين، وذلك لعدم صحة تبرعهم، لا لأن الوليمة مذمومة من حيث هي بل هي محمودة. وهي إحدى الولائم المشروعة وتسمى بالوضيمة بالضاد المعجمة. وما جاء عن جرير رضي الله عنه من قوله كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة فمحمول على ما إذا كان مع إظهار الحزن ووجود الجزع. ويؤيد ذلك قوله من النياحة، لأن ذكر النياحة يدل على أن الاجتماع المذكور إنما صار مذموما من حيث أن فيه شائبة حزن فصار بذلك كأنه نوع من أنواع النياحة. أما إذا خلا عن ذلك فلا مرية في استحسانه جمعا بين الأحاديث. ويكون بذلك قد انتظمت الأدلة وتم الاستدلال وزال بما ذكرناه وجه الاشكال.