المستقيم، فسوف لا يجني المسلمون منه إلا تفرقة وضعفًا، وخزيًا وذلًا، والواقع أكبر شاهد على ذلك. والله المستعان.
ولا بأس من المجادلة بالتي هي أحسن، حين الحاجة، فإن الجدال المحظور في الحج، إنما هو الجدال بالباطل المنهي عنه في غير الحج أيضًا كالفسق المنهي عنه في الحج أيضًا، فهو غير الجدال المأمور به في مثل قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن) . ومع ذلك فإنه ينبغي على الداعية أن يلاحظ أنه إذا تبين له أنه لا جدوى من المجادلة مع المخالف ـ لتعصبه لمذهبه أو رأيه، وأنه إذا صابره في الجدال فلربما ترتب عليه ما لا يجوز ـ أنه من الخير له حينئذ أن يدع الجدال معه لقوله صلى الله عليه وسلم:"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا. ."الحديث [1] .
لا حرج لا حرج
ومما ينبغي على الداعية أن يلتزمه التيسير على الناس عامة، وعلى الحجاج خاصة، لأن التيسير أصل من أصول الشريعة السمحة، كما هو معلوم ن ما دام أنه لا نص على خلافه، فإذا جاء النص لم يجز التيسير بالرأي. وهذا هو الموقف الوسط العدل الذي يجب على كل داعية أن يلتزمه، ولا عبرة بعد ذلك بأقوال الناس واعتراضاتهم وقولهم: شدد، أو سهل؟
وثمة أمور جائزة اعتاد بعض الحجاج أن يتحرجوا منها لفتاوى صدرت من بعضهم منافية للأصل المشار إليه آنفًا، رأيت التنبيه عليها:
1 ـ الاغتسال لغير احتلام ولو بدلك الرأس، لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في"الصحيحين"وغيرهما من حديث أبي أيوب رضي الله عنه [2] .
2 ـ حك الرأس ولو سقط منه بعض الشعر، لحديث أبي أيوب الذي أشرت إليه آنفًا. وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
3 ـ الاحتجام ولو بحلق الشعر مكان الحجم، لاحتجامه صلى الله عليه وسلم وسط رأسه وهو محرم، ولا يمكن ذلك إلا مع حلق الشعر، وهو قول ابن تيمية أيضًا، وبه قالت الحنابلة، لكنهم أوجبوا عليه الفدية،
(1) - وهو حديث حسن، وهو بتمامه في"صحيح الجامع الصغير"في الجزء الثاني رقم (1477) طبع المكتب الإسلامي.
(2) - وهو في الأصل بتمامه (ص 28) ، وقد خرجته في"إرواء الغليل"برقم (1019) و"صحيح أبي داود" (1613) .