91 -و لا يرميها إلا بعد طلوع الشمس، و لو كان من النساء أو الضعَفَة الذين أبيح لهم الانطلاق من المزدلفة بعد نصف الليل، فهذا شيء، و الرمي شيء آخر [1] .
92 -وله أن يرميها بعد الزوال و لو إلى الليل إذا وجد حرجًا في رميها قبل الزوال كما ثبت في الحديث.
93 -فإذا انتهى من رمي الجمرة حل له كل شيء إلا النساء ولو لم ينحر أو يحلق، فيلبس ثيابه و يتطيب.
94 -لكن عليه أن يطُوف طواف الإفاضة في اليوم نفسه، إذا أراد أن يستمر في تمتعه المذكور، و إلا فإنه إذا أمسى و لم يطف عاد محرمًا كما كان قبل الرمي، فعليه أن ينزع ثيابه و يلبس ثوبي الإحرام، لقوله صلى الله عليه و سلم:
"إن هذا يوم رُخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تُحلّوا من كل ما حُرمتم منه إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حُرُمًا لهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، قبل أن تطوفوا به" [2] .
الذبح والنحر
(1) - و هذا مما فصلت القول في"الأصل"فراجعه إن شئت أن تكون على بينة من الأمر (ص80) .
(2) - و هو حديث صحيح، و قد قواه جمع منهم الإمام ابن القيم، كما بينته في"صحيح أبي داود" (1745) .
و لما اطلع على هذا الحديث بعض الأفاضل أهل العلم قبل ذيوع الرسالة، استغربوه، و بعضهم بادر إلى تضعيفه - كما كنت فعلت أنا نفسي في بعض مؤلفاتي-، بناء على الطريق التي عند أبي داود، وهذه مع أنها قواها الإمام ابن القيم في"التهذيب"و الحافظ في"التلخيص"بسكوته عليه، فقد وجدت له طرقًا اخرى يقطع الواقف عليها بانتفاء الضعف عنه، و ارتقائه إلى مرتبة الصحة، و لكنها في مصدر غير متداول عند الجماهير، وهو"شرح معاني الآثار"للإمام الطحاوي خفيت عليه كما خفيت علي من قبل، فلذلك بادروا إلى الاستغراب أو التضعيف. و شجعهم إلى ذلك أنهم و جدوا من قال من العلماء فيه:"لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به". و هذا نفي، و هو ليس علمًا، فإن من المعلوم عند أهل العلم أن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه، فإذا ثبت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و كان صريح الدلالة كهذا، و جبت المبادرة إلى العمل به، و لا يتوقف ذلك على معرفة موقف أهل العلم منه، كما قال الإمام الشافعي:
"يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه، و إن لم يمض عمل من الإئمة بمثل الخبر الذي قبلوا، إن حديث رسول الله يثبت بنفسه، لا يعمل غيره بعده".
قلت: فحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم أجل من أن يستشهد عليه بعمل الفقهاء به! فإنه أصل مستقل حاكم غير محكوم. و مع ذلك فقد عمل بالحديث جماعة من أهل العلم منهم عروة بن الزبير التابعي الجليل، فهل بعد هذا لأحد عذر في ترك العمل به؟ (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) . و تفصيل هذا الإجمال في المصنف الآنف الذكر.
و اعلم ان رمي الجمرة لأهل الموسم بمنزلة صلاة العيد لغيرهم، و لهذا استحب الإمام أحمد أن تكون صلاة أهل الأمصار وقت النحر بمنى، و لهذا خطب النبي صلى الله عليه و سلم يوم النحر بعد الجمرة، كما. كان يخطب في المدينة بعد صلاة العيد، فاستحباب بعضهم صلاة العيد في منى أخذًا بالعمومات اللفظية أو القياسية غلط و غفلة عن السنة، فإن النبي صلى الله عليه و سلم و خلفاءه لم يصلوا بمنى عيدًا قط. كما في"فتاوى ابن تيمية" (26/ 180) .