العمل المتوارث، فإن له شأن يختبر به صحة كثير من الأخبار، وليس هذا الشأن بمختص بعمل أهل المدينة، بل الأمصار التي نَزلها الصحابة وسكنوها، ولهم بها أصحاب، وأصحاب أصحاب. سواء في ذلك ـ وفي رسالة الليث إلى مالك، ما يشير إلى ذلك ـ (1) .
مراعاة مراتب الأدلة في الثبوت، والدلالة؛ لأن للقطعي ثبوتًا أو دلالة مرتبته، وللظني كذلك حكمه عندهم، فلا يقبلون خبر الآحاد إذا خالف الكتاب، ولا يعدون بيان المجمل به في شيء من المخالفة للكتاب، فلا يكون بيان المجمل بخبر الآحاد من قبيل الزيادة على الكتاب عندهم (2) .
ردّ خبر الآحاد في الأمور المحتمة التي تعمّ بها البلوى، وهذا إذا توفرت الدواعي إلى نقلها بطريق الاستفاضة، حيث يعدون ذلك مما تكذبه شواهد الحال، واشتراط شهرة الخبر عند طوائف الفقهاء (3) . قال الإمام سبط ابن الجوزي - رضي الله عنه - (4) : (( إن خبر الواحد فيما تعمّ به البلوى ليس بحجة عند الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - ) ).
رابعًا: طريقته في التفقيه: كان حال الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - في التعليم أنه لا يحمل أصحابه على قبول ما يلقيه عليهم، بل كان يحملهم على إبداء ما عندهم، إلى أن يتضح عندهم الأمر، كوضح الصبح، فيقبلون ما وضح دليله، وينبذون ما سقطت حجته، وكان يقول ما معناه: لا يحل لأحد أن يقول بقولنا، حتى يعلم من أين قلنا، وهذا هو سر ظهور مذهبه في الخافقين، ظهورًا لم يعهد له مثيل، وهو السبب الأصلي لبراعة المتفقهين عليه، وكثرتهم، إذ طريقته تلك هي الطريقة المثلى في التدريب على الفقه، وتنشئة الناشئين.
(1) المصدر السابق، ص299.
(2) الكوثري، مقدمة نصب الراية، ص299.
(3) المرجع السابق، ص299.
(4) يوسف بن فرغل سبط ابن الجوزي (654هـ) ، الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح، . تحقيق: محمد زاهد الكوثري، مصر، المكتبة الأزهرية للتراث، ص11.