الصفحة 198 من 439

المبحث السادس

دور العصر الحديث

إن هذا الطور لا يختلف عن سابقه عند عامة أهل العلم الكبار ممن تلقوا العلم كابرًا عن كابر في التزام المذاهب الفقهية؛ لما فيه من ضبط للفقه عند المتفقهة، ومنعًا للتلاعب والتميع في الدين، والحفاظ على المجتمعات من الفوضى الفقهية التي تؤدي إلى انتشار الجهل والتكفير والتناقض في الأحكام بين الناس، بخلاف بعض من تأثروا بالمدرسة الإصلاحية التي أسسها الاستعمار البريطاني التي تدعوا إلى أن حمل الناس على مذهب معين تكليف بما لا يطاق لا سيما في زماننا الذي تغيرت فيه أحوال الناس وتبدلت بسبب المدينة المعاصرة، فلا بُدّ من التيسير عليهم بالانتقاء من المذاهب ما يناسبهم، واستخراج أحكام المسائل الجديدة من المذاهب جملة بالمقارنة بينها لمعرفة الحكم الشرعي.

وهذا كلام من لم يدقق النظر؛ لأن هذا الفقه ليس وليد اليوم أو البارحة، بل إنه موجود منذ أربعة عشر قرنًا، عاشر الناس فيه وعايشهم، وبني على حياتهم، وحل لهم مشكلاتهم، عرفَه المؤمنون في عصور العزّة والنهضة، وطبقته الدول الإسلامية المتعاقبة على رعاياها، فكفى حاجتها، ورغم كلّ هذا الزمان المتطاول لم يشتك أحد من قصر هذه المذاهب عن الوفاء بحاجيات الدول والأفراد، ولم يدع شخص أن في تطبيق مذهب على الناس عسرة، بل نجد كل قوم فرحين بما أتوا من مذهب، منكبين على دراسته وتدريسه وتطبيق مسائله دون اهتمام بغيره.

إذا اتضح هذا علم أن هذه المقالة وهم وخيال، ليس لها في الواقع مجال، إلا إرباك الناس وإخراجهم عن تطبيق شرع ربهم بحجة العسرة وطلب التيسير أو ضعف أدلة بعض المذاهب أو الترجيح بينها على ما تقتضيه المصلحة أو غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت