فهرس الكتاب
وإن ما صدر من كتب الردود من بعض أتباع هذه المذاهب على بعض كأبي عبد الله الجرجاني وأبي منصور البغدادي والقفال الشاشي وابن الجويني والكردري والقاري وغيرهم (1) إن أهمل ما كان فيها خارجًا عن دائرة الإنصاف وداخلًا في باب الاعتساف، فإنه يكون لهذه الكتب الدرجة العالية في تفتيح مدارك المتعلم، وتوسيع فهم المتفقه، وصقل عقليته العلمية، بالإضافة إلى إحكام بنيان هذه المذاهب، وكثرة الاستدلال لمسائلها والتأييد لها، ورفع همم أصحابها في الدفاع عنها والكفاح دونها مما يؤدي إلى استمرارها ونموها؛ ولولا هذه المماحكات والمشادات بين أرباب هذه المذاهب لكانت أثرًا بعد عين.
وإن تقديم قول إمامه على الحديث ليس لأنه أفضل وأولى من حديث رسول - صلى الله عليه وسلم - ومن ظنّ هذا خيف عليه؛ وإنما ذلك لأن إمامهم اجتهد في استخراج الحكم الشرعي من نصوص القرآن والسنة النبوية، ولم يخالف الحديث إلا لدليل أقوى منه من آية أو حديث آخر؛ لحصول نسخ أو تأويل أو تخصيص أو ما شابهه مما سبق تفصيله، فاستخراجهم الأحكام الشرعية من نصوص إمامهم لا من نصوص الشارع؛ لأن إمامهم قام بمرحلة استخلاص الفروع المنضبطة من نصوص الشرع لا غير، ومن ثَمَّ قعَّد لهم القواعد المحكمة والأصول الدقيقة التي يمكنهم منها استنباط الأحكام الشرعية، بدل أن يبدأوا من جديد بإخراج القواعد من القرآن والسنة؛ لأخذ الأحكام منها؛ إذ أنهم بذلك يبذلون جهدًا في أمر تَمَّ وانتهى فلا طائل من إضاعة العمر فيه إلا التقعاس عن إيفاء حاجات الناس في المسائل الفرعية، وإيقاف نمو وشموخ وازدهار هذا الصرح الفقهي العظيم.
(1) مقدمة الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة ص6-7.