فهرس الكتاب
ولما نزلت آية: { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } [آل عمران: 159] ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أما إنّ الله ورسوله لَغَنيان عنها، ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأُمتي، فمَن استشار منهم لم يَعْدَم رُشْدًا، ومن تركها لم يَعْدَم غَيًّا) (1) .
فالشورى تؤدي إلى مجانبة الانفراد بالتصرف وعدم الاستبداد بالرأي، وإشراك الآخرين في تحمُّل التَّبِعة، فتنجو الأُمة من التعسُّف وسلوك طريق المهالك وطغيان الرياء وتقديم المنافع الذاتية (2) .
والاجتهاد الجماعي يقي الأُمَّة من مشاكل الاختلاف، وخاصة في الأُمور العامة (3) ، ويؤمن معه الشطط، ويُسَار على سنن الشارع في تشريعه (4) .
لأن ظهور القضايا الجديدة كمعاملات المصارف والتأمين والشركات المساهمة والعقود الاقتصادية الحديثة، وقضايا الطب كزراعة الأعضاء والتلقيح الصناعي، وغيرها مما يهم المسلم في حياته، هذه كلها تحتاج إلى مجامع علمية يجتهد أعضاؤها، ويصدر عنهم الرأي مجتمعين.
فالذي توفرت فيه شروط المجتهد المطلق يكون محيطًا بعلوم اللغة العربية والشريعة الإسلامية، لكن تبقى الاختصاصات الأُخرى كالاقتصاد والسياسة والطب... إلخ بعيدة عنه، لا يمكنه أن يفتي بها.
لذلك كانت الحاجة ماسة إلى اجتهاد جماعي من أساطين العلوم، ليصوروا المسألة المبحوث عنها، فيتمكن علماء الشريعة من بيان الحكم الشرعي فيها.
(1) السلمي، آداب الصحبة، ج1، ص71، وابن عدي، الكامل في الضعفاء، ج4، ص337، والبيهقي في الشعب بسند حسن عن ابن عباس. وذكره السيوطي في الدر المنثور، ج2، ص90، والآلوسي في روح المعاني، ج4، ص94. ينظر: د. قحطان الدوري، الشورى هامش ص30.
(2) د. قحطان الدوري، الشورى بين النظرية والتطبيق، ص64.
(3) شعبان محمد إسماعيل، الاجتهاد الجماعي، ص28.
(4) عبد الوهاب خلاف، مصادر التشريع الإسلامي ص13 ونقل في المصدر السابق النص كاملًا.